توثيق للتاريخ.

 

مقالة للصديقة المعتقلة نوف عبدالعزيز كتبتها قبل اعتقالها ونشرتها ميا الزهراني التي اعتقلت بعد يومين من اعتقال نوف ومازلنّ قيد الاعتقال التعسفي الحرية لهنّ ولرفاقنا في معتقلات الظلم.

“لم أكن أظن يومًا أني سأكون مضطرة إلى هذا الحديث، لتبرير نفسي ولمحاولة انقاذ ما يمكن انقاذه من خراب حل بي وبكل من أحب، تتوه الكلمات مني وأنا أفكر بأي شيء أبدأ وكيف أشرح ذاتي وفكري حياتي وطموحاتي أحلامي وأمنياتي لأناس قد يروني الآن مجرمة أستحق ما يحصل لي وربما يرون أن الخلاص مني هو السبيل لوطن أفضل، مع أني موقنة أن الكثير لا يعرفوني ولم يسمعوا باسمي من قبل ورغم هذا يملكون الجرأة ليحكموا علي ظلمًا وعدوانًا .
كثيرًا ما يقال أن الناس يميلون لسرعة تجريم الآخر الذي يجهلونه إذا رأوا أنه عوقب بشدة، ولا يرغبون بمعرفته، كونهم اذا تعرفوا عليه سيجعلهم يكتشفون أنه لا يختلف عنهم في كونه انسان ابن لأحدهم أب أو زوج وهذا يدفعهم للتعاطف وتأنيب الضمير، لذا كي أدفعكم للتعاطف معي وتأنيب الضمير سأصافحكم بسلام وأعرفكم على نفسي: السلام عليكم، اسمي نوف وأنا لست بارهابية.
ابنة لأم عظيمة تعاني بسببي وابنة لعائلة كريمة شريفة تضررت بسبب ما حصل لي وطالبة دراسات عليا لم أحصل على فرصة لاكمالها، وأختصر حياتي بعدة صفات مختصرة، دودة كتب منذ أن بلغت السادسة من عمري، ذكية كما يقول أبي، وفتاة هادئة غير أن الأسئلة تعصف بي.

لماذا يضيق بنا صدر الوطن، ولماذا أعتبر أنا عدوًا ومجرمًا أهدد أمنه!
لم أكن سوى مواطنة صالحة أحب بلدي وأتمنى له الأفضل، ابنة محبة وطالبة مجتهدة وعاملة جادة لم أكن لأحتقر وأكره وأحسد أي أحد فكيف الحال بوطني، ولا أعلم لي ذنبًا غير أني كل يوم أتحسر على كل محزون ومظلوم من مجتمعي وأحاول مساعدتهم تطوعا إما بوقت أو جهدي فكيف تصبح هذه جريرتي؟ وأنا التي كنت أوصلهم مباشرة بالجهات المختصة من محامين وجمعيات حقوق انسان ولم أسلك طرقا ملتوية أو أتحدث بما لا يليق فكيف تؤخذ هذه ضدي.
كيف يبلغ الفساد بأناس أن يستغلوني لأجل الحصول على ترقيات ومليء جيوبهم بالمال على حسابي، أن ينسفوا عمري وحاضري ومستقبلي لغايات عبثية لا تكون إلا افسادا في الأرض وتشويها لصورة الوطن وتقديمها كدولة قمعية دون أدنى تفكير وحساب في ما يفعلون، لمصلحة من يحدث كل ما يحدث؟ .
خذوا عمري وحياتي وصحتي وكل ما أملك إن كان في هذا مصلحة لبلدي ورفعة له، خذوا حاضري ومستقبلي وكل ما أحب إن كان هذا يرضيكم وفيه صالح لشعبنا، لكن لا تظلموني وتسلبوني حقي بالحياة والحرية والكرامة وكل ما حلمت به وطمحت اليه لأكون مجرد تضحية لغاية ما تصب في صالح أحدهم.
ويا الهي إن كان ما يحدث يرضيك فلك العقبى حتى ترضى، وإن ما كان يحدث لا يرضيك، فأرزق شعبنا البصيرة حتى يعلموا أن أختهم بالوطن مظلومة وأنها لا تستحق سوى حريتها وحفظ كرامتها وحضن عائلتها الذي سلبت منه.

الإعلانات

تجذُّر التمييز: إلى متى تشكِّل الذكورة حياة نساء السعودية؟

عندما فهمتْ النسويات في السعودية أهمية إسقاط الولاية عن المرأة، حددنه مطلبًا مهيمنًا يتجدد كل يوم، ويحظى بمتابعة مستمرة وتحديث يومي، ليس فقط على الإنترنت، بل جمعن أكثر من 14 ألف توقيع، وقدَّمنها في برقية رسمية إلى العاهل السعودي للمطالبة صراحةً بإسقاط الولاية، وتحديد سن رشد للمرأة كما هو حال الرجل، لكن التجاوب لم يكن بحجم الحماسة والإصرار، بل كان التجاهل هو المصير الوحيد.

لا توجد بالطبع وصفة مثالية يمكن للناشطات تبنِّيها للانتقال إلى تمكين النساء في السعودية، إلا أن كل حراك نسوي يُسهم في الدفع بالمطالب، ويخلق معه أدوات وردود أفعال تنقِّحه و تُراكِمه وتزيد من تأثيره.

وافقت الحكومة على إلغاء الولاية في عامي 2009 و2013 بعد المراجعة الدورية الشاملة للسعودية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وأقرت تعديلات وقوانين جديدة بعد تَعَهُّدِها، لكنها لم تسهم في إسقاطها، ولم يطرأ أي تقدم واضح في واقع وضع المرأة، إذ إن قيد الولاية لم ينكسر، ما دفع بعضًا ممن يعانين بسببه إلى أن يُقدِمن على رفض التسلط بالهروب منه.

إذا كانت الحكومة السعودية ترمي فعلًا للقضاء على التمييز ضد المرأة كما وعدت وتعهدت في رؤية 2030، وتنوي توسيع الإصلاحات التي بدأتها، فعليها القضاء على القيود في صلب نظام ولاية الرجل.

المرأة السعودية: هروب في دائرة مفرغة

هل تتعرض المرأة السعودية فعلًا للاضطهاد؟

«هربت من عنف لم يتوقف منذ خمس سنوات»، هكذا تقول «دانا» لـ«منشور» ولا تزال ذكرى الوجع عالقة في رأسها، لم تستطع الهرب منه كما نجحت في الهرب من التعنيف الجسدي. أما «مريم» فتقول: «لم تخطر في بالي فكرة الهرب رغم عدم رضاي التام عن حياتي، لكني اضطررت حين أُُجبرت على القبول بالزواج من رجل يكبرني بأكثر من 20 عامًا. كنت أعرف دومًا أن يومًا كهذا سيأتي، لأن زوجة أبي لن تتحمل وجودي أكثر من ذلك، وأبي سيجدها فكرة سديدة للتخلص مني».

وعدت دار الرعاية بحماية الفتاة نورة التي عنفتها والداها، ثم اتضح بعد عامين أنها أجبرتها على الزواج مرتين رغم كونها قاصرًا.

لم تكن مفاجأة حين سألتُ بطريقة مباشرة سبع فتيات حاولن الهرب، بعضهن نجحن والأخريات فشلن: لماذا كان الهروب خيارك؟ الجواب كان «العنف» بشكل واضح.

تضطر الفتاة إلى أن تهرب من منزلها في لحظة يأس من تحسن الواقع الذي تعيشه، تفر نحو «دار رعاية» تعتقد أنها ستكون آمنة وتمنحها حياة كريمة، لتكتشف عند أول خطوة تخطوها نحوها أن ما كانت تظنه ليس صحيحًا، وأن وراء جدرانه الصامتة حكايات لم تُسمَع، وصوت لم يصل، تُعامَل كسجينة لا ضحية عنف، تجد نفسها تخالط من عليهن قضايا جنائية لم تسمع بها من قبل، ولا يُراعَى صغر سنها.

إحداهن أكدت لي أنها فرت إلى دار الرعاية لأن والدها أجبرها على الزواج من رجل لا تريده، وهي تريد آخر والدها يرفضه. وفيما هي في الدار أُسقِطَت ولاية والدها، لكن القاضي الذي أصبح وليها الجديد في الزواج رفض الزيجة بحجة أن من تريده أجنبي، وأحالها إلى بديل طرق باب الدار بنيَّة الزواج، لكنها رفضت وأصرت على موقفها، وما تزال في الدار من وقتها.

قصتها تشابه قصة «قتيلة جدة 2015» التي ترصَّدها أشقاؤها عند مقر عملها، وحاولوا اختطافها لرفضهم زواجها من رجل يرون أنه غير مناسب. ورغم موافقة والدها، فإن الدار نجحت في إفشال مخططهم بمساندة مواطنين. بعد أسبوعين فقط من الحادثة تمكَّن أحد الأشقاء من قتلها بإطلاق النار عليها أمام مقر عملها.

ومن لا يعرف «نورة الرشيدي»، الطفلة التي عنفتها والدتها بمشاركة والدها في 2015، وكانت الدار قد استقبلتها ووعدت بحمايتها، ليتضح بعد عامين أنها أجبرتها على الزواج مرتين رغم كونها قاصرًا.

سلطة الولي الواسعة تجعله يتحكم في أهم اختيار في حياة المرأة، فهو من يقرر كيف يكون مستقبلها، ومع من، وإلا ستواجه رد فعل لا يخطر على البال.

يُلاحَظ هروب الفتيات من الدار بعد هروبهن من منازلهن إليها، أو محاولة اعتراضهن على ما يحصل من تعامل غير إنساني داخلها عن طريق الشغب المتجدد بين فينة وأخرى، أو حتى اللجوء إلى فكرة الانتحار على البقاء، أو تفضيل السجن على العودة إليه كما حدث لفتيات «دار مكة».

في عام 2015، فر أكثر من 1750 فتاة من منازلهن. وبالرغم من إقرار هيئة حقوق الإنسان وقوع انتهاكات، فإنها لم تستطع أن تحث دور الرعاية على تحسين نظامها القمعي، وتغير طريقة تعامل موظفاتها المتعالي. الهيئة هي من يصنف الدور بالسجون، وهي كذلك، فمن تدخلها مرغمة تحتاج إلى ذكر لإخراجها منها حتى لو كان من يمارس العنف ضدها.

قد يهمك أيضًا: ماذا تعرف عن الولاية على المرأة في الخليج؟

المساواة المفقودة في السعودية

مطالب المرأة السعودية لإلغاء ولاية الرجل

في غياب المساواة بين الرجل والمرأة، يغيب مبدأ المساواة في المجتمع ككل.

التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين هو مقارنة سنوية ينفذها المنتدى الاقتصادي العالمي لقياس مدى النجاح في تقليص الفجوة وتحقيق التكافؤ بين الذكور والإناث في مختلف دول العالم في أربعة مجالات: التحصيل التعليمي، والصحة والبقاء على قيد الحياة، والفرص الاقتصادية، والتمكين السياسي.

في نسخة 2017، أعلن التقرير تونس الأولى عربيًّا وفي المركز 117 على العالم، بينما جاءت السعودية رقم 138 بين 144 دولة، تفصلها ستة بلاد أخرى فقط عن القاع.

بعضهم يرى وضع المرأة السعودية طبيعيًّا، وبعضهم يرى بعين الواقع ويتابع ما يحدث، وقد يمد يد العون، لكنه يدفع ثمن هذا التضامن.

في السعودية، ليس أمام المرأة اختيارات في مجال العمل، بل تُعزَل النساء في أعمال معينة كالتدريس والخدمات الاجتماعية فقط، أو في حشو أدمغتهن بمعلومات تُسهل لهن محو أميتهن الأبجدية، لا الحضارية أو الثقافية على نطاق واسع.

السمات الأنثوية أقل شأنًا من الذكورية، لذلك لا تملك الأنثى ترف الاختيار حتى في ما ستعمله. ستواجَه بتمييز فاضح في الترقيات والأجور. والنشاطات التي تمارسها الإناث أقل أهميةً من تلك التي يمارسها الذكور.

لكن الأمم المتحدة اختارت السعودية لعضوية لجنة حقوق المرأة، المعنية بتمكين المرأة والمساواة بين الجنسين، في الفترة بين 2018 و2022.

كان الاختيار صدمة، وبخاصة لنساء السعودية، فمؤشرات العدالة الاجتماعية ناقصة بسبب النظرة السلبية إلى المرأة في المملكة، وكذلك لقوة تأثير العادات والتقاليد التي تفوق قوة القوانين وعدالة الدين.

تحتل المرأة 20% من سوق العمل في السعودية، وهي النسبة الأضعف في مشاركة المرأة في سوق العمل على مستوى المنطقة العربية.

يقول الفيلسوف والاقتصادي الكبير «كارل ماركس» إن التقدم الاجتماعي يُقاس بالوضع الاجتماعي للجنس الأنثوي، لكن للأسف، لكلٍّ منا عين لا تشبه الأخرى: بعضنا سيرى وضع نساء السعودية طبيعيًّا، بل ومثاليًّا، وبعضنا سيرى بعين الواقع، سيتابع ما يحدث، وقد يمد يد العون، لكنه سيدفع ثمن هذا التضامن، وربما يكتفي بالتعاطف لأن ما باليد حيلة.

من يطَّلع على الأنظمة التي وضعتها الحكومة في ما يخص المرأة، والتي جعلت معاناتها تتفاقم على مر الأعوام بدل أن تتقلص، سيدرك مدى حجم المأساة التي تعيشها نساء السعودية، فلا مفر منها، ولا حلول مرجوة لها، لأنها لم تصب جوهر استمرار الظلم الواقع عليها، بل فضلت بقاءه باستمرار تجميله بين فينة وأخرى بتعديلات دورية، أو خلق قوانين إضافية ليصبح الهدف تقنين الظلم لا إنهاءه.

قد يعجبك أيضًا: كيف أصبحت نسوية نكدية؟

تُقر المرأة بأن كوكبنا في مجموعِه عالم ذكور، فالرجال صاغوه، والآن يحكمونه، وجعلوا دورها هامشيًّا وتابعًا للرجل، فهي من دونه لا تستطيع فعل ما تريده، ولن تتمكن من المضي قدمًا دون أن يكون راضيًا عنها. حياة المرأة في السعودية تتشكل بحسب مزاج الذكر، وطريقة تفكيره، وأسلوب تعامله، فهل نشهد تغيرًا قريبًا؟

https://manshoor.com/life/saudi-men-hold-women-rights/?utm_source=twitter&utm_medium=L_20_05_18_0900/

تأريخ لمطالبة النساء بالقيادة في السعودية

بعد 27 عاما منذ أول حراك نسوي طالب بقيادة المرأة، أقرّ الملك في 26 سبتمبر من 2017 قيادة المرأة للسيارة لتصبح السعودية آخر دولة في العالم أجمع تسمح للنساء بقيادة السيارة. وقد أكد نص البيان على تطبيق نظام المرور وفق الضوابط الشرعية والنظامية المعتمدة على الذكور والإناث على حدٍ سواء.

لقد فرض منع المرأة من القيادة حالاً غير طبيعية لعقود، أربكت الدولة والمجتمع معاً، وأسهمت في تأجيل قضايا مهمة، وتعطيل حلول ملحة لقضايا قائمة. إلى جانب ذلك فقد أحرج الدولة أمام العالم من دون مبرر وجيه.(1)

وتؤكّد الشواهد أن الأبوية السياسية السعودية حرصت على إبقاء مكافآتها للنساء بحدود أقل ما يُمكن إعطاؤه رغم الصلاحيات الواسعة للقرار التي يتمتّع بها الملك. يمكن بهذا الصدد ملاحظة أن الجهود الحكومية الدائمة لتبرير ضآلة المكافآت بالممانعة الاجتماعية وضرورات التّدرّج، هي بالدرجة الأولى جهود لصرف النظر عن هذه المفارقة اللافتة بين ما يُمكن منحه، وما يتم منحه فعلاً.(2)

يستعرض هذا التقرير أهم المراحل التي مرت بها المطالبة و المصير الذي واجه المطالبون على مدار أعوام، وتطور الأساليب وزيادة الوعي الذي أنتجه الحراك المجتمعي والذي كان بدوره بمثابة أداة ضغط لإسقاط حجة عدم جاهزيته.

6 نوفمبر 1990 م

السادس من نوفمبر هو يوم للمرأة في هذا الوطن – هكذا وصفت الحدث مؤلفتا الكتاب الأشهر لتوثيق تجربة 6 نوفمبر لقيادة السيارة عائشة المانع وحصة آل الشيخ.

كانت المطالبة حركة رمزية للفت نظر المجتمع لحقوق المرأة وما تعانيه في ظل غيابها ومنها حقها في قيادة السيارة. وبسبب تغييب المرأة وغياب أي تجمعات أو تنظيمات يمكن أن تعبر عن واقعها أو تهتم بقضاياها فقد قامت 47 سيدة سعودية في 6 نوفمبر 1990 في أجواء حرب الخليج الثانية بقيادة سياراتهن في شوارع الرياض واختراق المنع العُرفي المفروض عليهن.

هذا التهميش والإقصاء الذي عاشته المرأة السعودية هو الذي حرك مجموعات من النساء وألهب فيهنّ الحماسة ودفعهنّ للقول بأعلى صوتهنّ: ها نحن موجودات فوق تراب الوطن ولنا حقوق عليكم أن تلتفتوا لها.

نشأت فكرة القيادة أولا من خلال دعوة عشاء من نورة الغانم إلى عائشة المانع، والتي فوجئت حين حضورها بوجود 35 امرأة من الموظفات وربات المنازل. كان النقاش يتمحور حول إيجاد طريقة للحصول على حق المرأة بالمجالس الخاصة أسوة بالرجال، ولم يكن المطلب واضحا ليكون مقدمة لفتح الباب أمام مطالبة المرأة بحقوقها.

رأت عائشة المانع أنه يجب تحديد وفهم المطلب جيدا قبل المطالبة به وأن يكون قابلا للتحقيق ومن ثم الانتقال لآخر وهكذا، ثم سردت قصتها حين قادت سيارتها من الظهران إلى الرياض واقترحت أن يكون هو المطلب الأول، خاصة مع ممارسة الأمريكيات والكويتيات حق القيادة داخل البلاد بحرية بينما المواطنات محرومات منه. سارع الجميع لتبني الفكرة وعاودن الاجتماع عدة مرات للتخطيط لتنفيذها. ووسط الأوضاع المتوترة وإعلان الحرب، اجتمعنّ مرة أخرى لكتابة خطاب وإرساله إلى أمير منطقة الرياض حينها الأمير سلمان دون أسماء؛ إلا أن وكيل إمارة منطقة الرياض عبدالله البليهد أصر على ربط إيصاله للأمير سلمان بوجود اسم فوافقت عائشة المانع على تدوين اسمها دون البقية بسبب عدم حصولها على موافقتهن بتدوين أسمائهن. جاء في الخطاب “نناشدكم باسم المرأة السعودية الطموحة والحريصة على خدمة وطنها أن تفتح قلبك الأبوي لرعاية مطلبنا الإنساني ألا وهو قيادة السيارة داخل مدينة الرياض”. وفي 6 نوفمبر قررت المجموعة ممارسة حقهن بقيادة السيارة ميدانيا في ذات يوم إرسال الخطاب مهما كانت ردة فعل المجتمع أو السلطة.

كان التجمع في المواقف الخلفية لإحدى المجمعات التجارية. ووصل عدد المشاركات إلى 47 سيدة؛ منهن من شاركها زوجها أو أبنائها، في 14 سيارة على استعداد لموعد الانطلاق. لم يطل مسير الموكب، إذ أن الشرطة تنبهت لمسيرتهن ولاحقتهن وقامت بإيقافهن. وفي أثناء التحقيقات، جُمعت معلومات دقيقة عن أولياء أمور المشاركات بالإضافة إلى جهات عملهن؛ لكن اثنتين منهن لم تذكرا مكان العمل الصحيح، وهما الوحيدتان اللتان لم يتم فصلهما من العمل. بعد استدعاء أولياء أمور المشاركات، أُخذت تعهداتهم على ألا لا يسمحوا لنسائهم بتكرار ما حدث، وبعد التوقيع أفرج عنهنّ في الرابعة من صباح 7 نوفمبر.

وبعد 3 أيام من الحدث، قامت إمارة منطقة الرياض باستدعاء جميع أولياء أمور المشاركات لقصر الأمير سلمان والذي أبدى امتعاضا من توقيت الحراك وقرأ على الحضور فتوى لابن باز تحرم قيادة المرأة للسيارة.

وتجدد استدعاء المباحث لبعض المشاركات بشكل عشوائي برفقة أولياء أمورهنّ لمعرفة إن كان وراء الحراك أهداف أخرى غير القيادة، ثم اتخذت إجراءات رادعة ضدهنّ بفصلهنّ من العمل لمدة سنتين ونصف ومنعهنّ من السفر لعام ومنع أوليائهنّ من السفر لمدة 6 أشهر كما تم فصل الطالبات من المراحل الدراسية التي كنّ بها.

كما كان هناك حملة دعائية مضادة للتشهير بالمشاركات بالمسيرة حيث دُشنت في 10 نوفمبر حملة تشهير كبرى وسُربت بيانات المشاركات الشخصية ووزعت عند إشارات المرور وفي الدوائر الحكومية، وتضمنت معلومات مغلوطة عنهن واحتوت على كم هائل من التحريض والقذف واتهامات بالغة في العرض والدين والأخلاق، وطالت بعضًا من أولياء أمور المشاركات من أجل تشويه سمعتهن والضغط عليهنّ وعلى أولياء أمورهنّ وشحن المجتمع ضدهن.

كان موقف الجهات الرسمية الربط بين ما حدث وبين الفتن والتعميم على جميع الدوائر والمؤسسات برفض التعاطف مع هذه الفئة. كما طلبت من مؤسسات التعليم الرسمي القيام بجمع تواقيع الطالبات على عدم تأييد ما حدث وأن قيادة السيارة ليست مطلبًا لهن.أحد البيانات كان معنونًا ب “اعرف عدوك: أسماء الساقطات الداعيات إلى الفساد والرذيلة”؛ وترافق ذلك مع حملة ضارية في الجوامع والمجالس في جميع أنحاء المملكة والتي احتوت على كثير من الإثارة والمغالطات. ومن أشهر الخطباء الذين شنوا هجوما على المشاركات الشيخ عبدالوهاب الطريري والشيخ عادل الكلباني. ووصل الأمر بالمعارضين إلى حد الاتصالات الهاتفية بأولياء أمور المشاركات والتي امتلئت بالتهديدات والشتائم والقذف، ومن أبرز المتصلين الأستاذ بجامعة الملك سعود في ذلك الوقت -المعارض حاليا- محمد المسعري. وكان من أبرز من تحدث عن الحدث الكاتبة جهير المساعد التي امتدحت قرار المنع وبررته بعدم حاجة المرأة للقيادة في مقال لها بجريدة الرياض.

الصور الموثقة للحدث غير موجودة اليوم، إذ أن الداخلية سارعت بمداهمة منزل المصور صالح العزاز الذي اشتهر بعد تصويره للمسيرة وقامت بمصادرة كل ما التقطه من صور كما تم اعتقاله لمدة 6 أشهر، وتشيع بعض المصادر تعرضه للتعذيب خلالها. كما حضر مندوبون من وزارة الداخلية إلى منزل مديحة العجروش، التي كانت تعمل كمصورة، لمصادرة وتدمير أرشيفها بأكمله والذي يشمل 15 عاما من العمل كطريقة لمعاقبتها.

في المقابل برزت مجموعة تتضامن مع المشاركات وتؤيد ما حدث وتطالب الحكومة بإعادة النظر في الإجراءات غير القانونية التي اتخذت كما طالبتها بوضع حد لتمادي المتاجرين بالدين من تشويه لسمعة المشاركات؛ وذيلت مطالباتها باسم شباب وشابات الجزيرة العربية. بعد أيام أصدرت وزارة الداخلية بيانا يمنع قيادة المرأة للسيارة مستندة على فتوى لهيئة كبار العلماء، وجاء في البيان “نظرا إلى أن قيادة المرأة للسيارة تتنافى مع السلوك الإسلامي القويم الذي يتمتع به المواطن السعودي الغيور على محارمه، فإن وزارة الداخلية توضح للعموم تأكيد منع جميع النساء من قيادة السيارة في السعودية منعا باتا”.

ما بعد حراك 1990

كان جليا تراجع الحراك النسوي بشكل عام وانعدام المطالبة بقيادة السيارة بشكل خاص بعد حملة 1990 التي فاجأت السلطة بتوقيتها ونوعية المطالبة، خاصة في تلك الفترة الزمنية المعقدة؛ حيث كانت تتأهب للاستعداد لمواجهة حرب محتملة فقررت أن تواجه الحراك داخل البلاد بالقمع وبالتعاون مع السلطة الدينية. نجحت السلطة في إفشال الهدف وهو تحقيق المطلب لكنها فشلت في إخفاء القضية، إذ أن التصعيد والمواجهة الفجة لفتا نظر الإعلام الغربي الذي تفاعل وتناقل الحدث في حينها. تراجعت النسوة عن التوسع في المطالب وعوضا عن الالتزام بضرورة تحقيق ما كنّ يطالبنّّ به، انتقل  بعضهنّّ إلى المطالبة بمطالب حقوقية وبديهية أخرى كاستخدام الحاسب الذي منع بعد اختلاق فتوى تحرم ذلك على النساء!(3)

في 3 ديسمبر 2010 أجاز رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة أحمد بن قاسم الغامدي قيادة المرأة للسيارة، مما أثار جدلا في أوساط بعض الفقهاء الذين قالوا إن هذا الموقف يربك المجتمع السعودي ويتجاوز خطوط المؤسسة الدينية الرسمية.(4)

بعد ذلك حاولت الناشطات تغيير الطريقة الصدامية مع السلطات للمطالبة؛ فلجأن إلى كتابة العديد من البرقيات للملك للمطالبة بحقهن في القيادة وتبيان مدى الحاجة لها والأضرار المترتبة على الحظر.

أما في أواخر عام 2006، فقد قبضت السلطات السعودية على وجيهة الحويدر وهي تسير على جسر البحرين في بادرة فردية رافعةً لافتة كُتب عليها “أعطوا المرأة حقوقها”. خرجت الحويدر بعد ساعات من اعتقالها بعد أن وقّع شقيقها على تعهد بعدم عودتها إلى فعلها ذاك.

ومن أبرز البرقيات المرسلة للملك والتي لاقت جدل واسع النطاق كانت اللائحة التي أصدرتها مجموعة مكونة من وجيهة الحويدر، ابتهال مبارك، فوزية العيوني وهيفاء أسره ودينا الهاجري في 2007 وحملت 1100 توقيع لرجال ونساء يطالبون بالسماح بقيادة المرأة للسيارة. تلتها عريضة جمعت أكثر من 3 آلاف اسم أُرسلت إلى الملك وولي عهده ووزير الداخلية (5). تلى ذلك إعداد قائمة بأسماء النساء اللواتي يحملن رخص لقيادة السيارة واللواتي رفعن أسماءهن للسماح لهن بالحصول على رخص قيادة سعودية، ولم يحصلنّ على رد من السلطات؛ فقمن بالتوجه إلى مراكز شرطة المرور لطلب استمارات للتقديم على رخصة قيادة. والمفاجأة أنه قيل لهنّ أن النساء غير مسموح لهن بالدخول إلى المركز.

وفي يوم السبت مارس 2008 وفي تحرك رمزي لتأكيد حق المرأة السعودية في قيادة السيارة، قامت الناشطة وجيهة الحويدر بقيادة سيارتها في اليوم العالمي للمرأة بعد أشهر من إرسال البرقية.

وفي العام الذي يليه أطلقت وجيهة الحويدر حملة “الأربطة السوداء” إحياءً للذكرى التاسعة عشر لخروج مجموعة النساء اللاتي قدن سياراتهن في شوارع الرياض في عام 1990 كما ذكرت في بيان لها. (6)

إلهام الربيع العربي

في أواخر عام 2010 وتأثرا بموجة الربيع العربي والمطالبات الشعبية في عدة دول عربية بالإصلاحات والتي تحولت إلى مطالبات بإسقاط النظام، كان ربيع النساء في السعودية حملة أطلقتها منال الشريف تحت عنوان “سأقود سيارتي بنفسي” (7) تطالب مجددا بحق القيادة للمرأة وإلغاء الحظر المفروض عليها. أعلنت مجموعة من النساء السعوديات في 3 مايو عن مبادرة تقود فيها النساء سياراتهن لقضاء حوائجهن وسُميت الحملة “Women 2 Drive”. كانت نجلاء حريري أول مبادرة تستجيب للحملة وتقود سيارتها في شوارع جدة دون أن توقفها سيارات الشرطة، ثم اتبعتها منال الشريف في 19 مايو، وهي ممن شارك في إطلاق الحملة ووثقت تجربتها في فيديو تم رفعه على موقع يوتيوب. تم احتجازها لمدة 6 ساعات  في اليوم التالي قبل أن يطلق سراحها، ثم أُعيد اعتقالها في اليوم الذي يليه واتهمت بالإخلال بالأمن؛ واستمر اعتقالها لعشرة أيام قبل أن يفرج عنها بكفالة وتعهد خطي، كما احتجز شقيقها ليوم واحتجزت سيارته لشهر كامل. كما حصلت مبادرات فردية أخرى من نساء قدنّ سياراتهنّ في عدة مدن دعما للحملة.

وفي 9 يونيو، تم إيقاف 6 فتيات كان من بينهن: ميساء المانع، رشا الدويسي، ربا السويل، بسبب قيادتهن في الرياض وكانت الفتيات يتعلمن القيادة في منطقة خارج المدينة. وفي 17 يونيو 2011 قامت أكثر من 100 امرأة بالقيادة، ولم يتم اعتقال أحد منهن. بعد أيام، أُرسلت دراسة كاملة عن قيادة النساء للسيارة في المملكة العربية السعودية من إعداد: د. هتون الفاسي، و د. بدرية البشر، و د. هالة الدوسري، والباحث الإقتصادي أ. عبدالله العلمي إلى أمراء المناطق كما أُرسلت الدراسة نفسها إلى مجلس الشورى 4 مرات وتم رفض نقاشها.(8) وفي أغسطس، تقدمت تهاني الجهني وناهد سعود في جدة وأمل الشهري ومها القحطاني في الرياض بطلب الحصول على رخصة قيادة، وعند مواجهة الرفض أرسلن برقيات اعتراض لمدير عام المرور تمهيداً لرفع قضايا في ديوان المظالم.

وكما هو متوقع واجهت الحملة سيل عارم من الشتائم والتهديد والوعيد وإطلاق حملات مضادة مثل حملة ” تكسير زجاج من تقود السيارة يوم 17 يونيو” وأخرى تحت مسمى “أبشروا بالعقال يوم 17 يونيو”. والمفارقة التي تدعو للتأمل أنه بعد السماح بالقيادة تم استدعاء مراهق هدد في فيديو بحرق سيارة من تقود وأُجبر على الاعتذار في فيديو آخر.

كما أعلنت عزة الشماسي وبصحبتها المدونة السعودية ايمان النفجان استجابتهما للحملة؛ بالإضافة إلى قيام 42 امرأة سعودية بتلبية نداء وجهته ناشطات لتحدي قرار منع القيادة ودعم الحملة وألقت السلطات السعودية القبض على عدد منهن في جدة ومن أبرزهنّ الناشطة نجلاء الحريري. (10)

قادت العديد من النساء سياراتهن في شتى مناطق المملكة. تم اعتقال غالبهن لساعات واستدعاء أولياء أمورهنّ لتوقيع تعهد بعدم تكرار الفعل، لكن شيماء جستينة كانت الوحيدة التي واجهت حكما بالجلد (11) لكن الملك الراحل عبدالله أصدر أمرا بالعفو عنها قبل التنفيذ في أواخر 2012. وفي 4 فبراير 2012 رفعت سمر بدوي الدعوى الثانية ضد المديرية العامة للمرور في المحكمة الإدارية (ديوان المظالم) في جدة، كما تقدمت مجموعة من السعوديات بطلبات الحصول على رخص قيادة في المنطقة الشرقية والوسطى وجدة. (12)

وذكرت صحيفة الأسوشيتد برس أن السلطات السعودية “تحاول كبح جماح الحملة أكثر من اللازم بعدما تحولت قضيتها إلى دعوة لحشد الشباب الراغب في التغيير” المواكبة لمفاهيم الربيع العربي.(13)

وكرد فعل على الحملة، رفعت أكثر من 1000 مواطنة سعودية خطابًا إلى العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز تُعارِضن فيه قيادة المرأة للسيارة في المملكة (14) وأكّدت الموقِّعات على العريضة أن المطالبات الأخيرة والتحدِّي الصارخ لا يمثِّل سوى قلة قليلة من نساء المملكة، وأن الرافضات لفكرة القيادة بالملايين!

القيادة خيار وليست إجبار

وبعد التوقف عن الاستمرار بالمطالبة ميدانيا اتجهت الناشطات إلى تجديد المطالبة بحق القيادة من خلال الشبكات الاجتماعية إذ انطلقت حملة أخرى تحث مجددا على تحدي المحظور في 26 أكتوبر 2013، حيث دشنت الناشطة إيمان النفجان في سبتمبر من عام 2013 حملة على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” قائلة إن المرأة السعودية ستعبر عن رغبتها بالقيادة في 26 من أكتوبر. (15) وحصلت عريضة تم إطلاقها على 15 ألف إمضاء مؤيد في اليوم الأول قبل أن يتم حجب الموقع. استبقت وزارة الداخلية الحدث وسارعت بمكالمة وتحذير الناشطات البارزات اللاتي أعلنّ عن التجاوب مع الحملة بقرار القيادة في اليوم المحدد، كما أصدرت بيانا تتوعد فيه بمحاسبة من تخترق النظام وتؤكد أن قيادة المرأة محظورة داخل المملكة، مما اضطر الكثيرات إلى الاعتذار عن المشاركة.

ورغم ذلك قادت الناشطة مي الصويان سيارتها في صباح 26 أكتوبر ووثقت ذلك في فيديو تم نشره عبر يوتيوب. كما قادت لجين الهذلول سيارتها في أول مشاركة لحملة إلغاء حظر قيادة المرأة للسيارة في أكتوبر 2013 بعد عودتها من الدراسة في الخارج، حيث قامت بقيادة سيارة والدها منطلقة من صالات مطار الملك خالد إلى منزل أسرتها. وثق والدها مشاركتها بالفيديو، ثم قامت بنشره وتداوله مستخدمي شبكات التواصل الإجتماعي.

تسبب المقطع باستدعاء والدها من قبل الشرطة وأخذ تعهد منه بالتزام قوانين البلاد التي تمنع المرأة من قيادة السيارة.

وفي 30 نوفمبر 2015 فاجأت الهذلول المتابعين عبر تويتر بتصوير نفسها وهي تقود السيارة من الإمارات متجهة إلى السعوديةمما أثار جدلًا واسعًا.

تمتلك لجين رخصة قيادة إماراتية، وبحسب القانون فإنه يسمح لها بالتنقل داخل دول الخليج بتلك الرخصة، لكن أمن الحدود السعودية سارعوا لإيقافها. لحقت ميساء العامودي بلجين لمساعدتها والتضامن معها لكن تم إيقافها هي الأخرى. حُولت لجين إلى دار رعاية الفتيات للسجينات تحت سن الثلاثين بينما حُولت ميساء العامودي إلى السجن العام.

أصدرت السلطات الإماراتية منعا للجين الهذلول من دخول الإمارات بسبب ما اعتبرته استغلال لجين لقضية القيادة بالتحريض على حكومة بلدها.

وفي الجلسة الأولى لمحاكمة الناشطتين وجهت لهما عدة تهم تتعلق بقانون الجرائم المعلوماتية، منها التحريض على الدولة السعودية وتشويه سمعتها وسمعة وموظفيها، أما التهمة الثالثة فتتعلق بعدم ارتداء المذكورتين الحجاب.(16)

تم الإفراج عنهما بعد 73 يوم بعد عدة مناشدات حقوقية عالمية، خاصة بعد تداول خبر تحويل محاكمتهما إلى المحكمة الجزائية المتخصصة بقضايا الإرهاب لتصبح المبادرة العفوية للمطالبة بحق انساني جريمة تعد إرهابا ويجب محاسبة فاعليها.

تقول لجين الهذلول حول دعمها لحملة 26 أكتوبر “دعمت الحملة كواجهة إعلامية فارتبط اسمي بموضوع قيادة المرأة للسيارة، لكنها لم تكن بداية نشاطي الحقوقي، بل كانت بداية الضغط عليّ، وكان أمراً متعباً. والعقاب كان أسوأ ومهيناً لي كامرأة، فالحكومة لم تعترف بي ككيان، وحين قررت معاقبتي على موضوع الحملة، تم استدعاء والدي وليس أنا، وطلبوا منه أن يوقّع تعهداً أن لا أقود السيارة أبداً، كأنني غير موجودة. هذا العقاب كان انتقاصاً لي”. (17)

وفي عام 2015، رشحت لجين الهذلول نفسها في الانتخابات البلدية التي شاركت فيها النساء لأول مرة إلا أن اسمها مُنع؛ ولم تتم إضافته لقائمة المرشحين حتى بعد تقديم اعتراض منها. علقت منظمة العفو الدولية على ذلك بأن “السلطات السعودية تستهدف لجين الهذلول بسبب نشاطها السلمي في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والمطالبة بحقوق المرأة والتي تمنع باستمرار في المملكة”.

أُطلقت عريضة جديدة في 26 أكتوبر عام 2013 لتجديد المطالبة برفع الحظر. وبعدها بأيام صرحت الناشطة عزيزة اليوسف -عبر حسابها في تويتر- أن الأمير محمد بن نايف، وزير الداخلية في ذلك الوقت، أكد قرب صدور تشريعات جديدة بهذا الخصوص في لقاء معها برفقة د. هالة الدوسري دون تحديد موعد معين.

أوقفت السلطات عزيزة اليوسف وإيمان النفجان أواخر 2013 بعد قيامهما بقيادة السيارة في الرياض، وأُفرج عنهما بعد التوقيع على تعهد بعدم تكرار السلوك.

كما أوقف مرور جدة تماضر اليامي وسامية المسلماني في 2 نوفمبر2013  وأفرج عنهما بعد توقيع تعهد. وبالرغم من التهديدات العديدة -التي وصلت لحد التهديد بقتل تماضر- من جانب المعارضين، إلا أن دور المؤيدين كان إيجابيا ومفاجئا حيث أهدوا تماضر سيارة بديلة تعويضا عن سيارتها التي احتجزها المرور بعد عدة أشهر. والغريب أن إدارة المرور لم تُعد لها سيارتها حتى بعد صدور القرار برفع الحظر عن قيادة السيارة. (18)

لحظة تاريخية وليست إنجاز

في أواخر 2005 قدم عضو مجلس الشورى محمد آل زلفة توصية -خلال مناقشة مشروع نظام المرور- بإضافة مادة نظامية تجيز قيادة المرأة للسيارة داخل المدن السعودية أسوة بالرجل (19) بعد تصريح وزير الداخلية السعودي الأمير الراحل نايف بن عبد العزيز أن السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة “شأن اجتماعي يقرره المجتمع”. وفي ديسمبر 2005 أظهر استطلاع للرأي نُشر في الرياض أن 60% من الرجال السعوديين يؤيدون رفع الحظر الذي تفرضه المملكة على قيادة النساء للسيارات مقابل 40% عارضوا ذلك لاعتبارات اجتماعية وشرعية مختلفة.

وفي نوفمبر من عام 2014 أوصى مجلس الشورى خلال جلسة سرية بتخفيف الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات في المملكة بشروط، منها أن تكون المرأة فوق الثلاثين من العمر وأن تقود خلال ساعات النهار فقط وألا تكون متبرجة أثناء القيادة! (20)

وفي نهاية 2013 تقدمت ثلاث عضوات في مجلس الشورى وهن د. لطيفة الشعلان، ومنى آل مشيط، وهيا المنيع بمقترح يهدف لتمكين المرأة من قيادة السيارة، لكنه راوح مكانه ولاقى نفس مصير الكثير من التوصيات المماثلة له والتي سبقته، إذ بقي دون نقاش مع تجاهل المجلس المتكرر لخوض النقاش أو قبول التوصيات، بينما سارع المجلس ذاته برفع شكره للملك حين إقرار قرار قيادة المرأة؛ مما وضح عدم تفعيل دورهم الاستشاري وأثبت أنه مجلس صوريّ فقط لا يمثل الشعب ولا يقوم بدوره المعلن.

واستمرت المطالبات افتراضيا وطال الجدال في موضوع القيادة. في مارس من 2017 احتجت الناشطة مناهل العتيبي على حظر القيادة على النساء بطريقة مبتكرة وعفوية حيث قامت بتصوير نفسها وهي تمشي في طريقها إلى الجامعة. (21) وسرعان ما تفاعلت معها الناشطات، فأطلقت مريم الحبيل وسم #المقاومة_بالمشي لتوثيق تجربتها وفتح الباب لمن تريد المشاركة والدعم لفكرة الحملة. تلى ذلك بدء وسم آخر تحت مسمى #المقاومه_بالدراجه بعد أيام؛ فيما نظمت نسويات كويتيات حملة متضامنة لحق المرأة السعودية للقيادة تحت وسم #نمشي_لها والذي شارك فيه مختلف الجنسيات العربية دعما للمرأة السعودية.

وتم إقرار السماح بقيادة المرأة للسيارة رسميا الثلاثاء 26 سبتمبر 2017. وتمت ترجمة الخبر بأكثر من لغة ونُشر عبر حساب وزارة الخارجية. كما سبق ذلك إعلان السفير السعودي عبدالله المعلمي عن صدور المرسوم الملكي بإعطاء المرأة الحق في قيادة السيارات. يُظهر ذلك إلى أي درجة تهتم الحكومة بتلميع صورتها عالميا في ملف كان سببا لإحراجها لأعوام طوال.

يحدث أن تبذل النساء الكثير من الجهد وتكمل مجموعات المسير حيث توقف من سبقهن ويواجهن العديد من العقبات والضغوط الحكومية والاجتماعية حتى ضمن محيط العائلة ليأتي أمر يسحب البساط من تحت كل ما عانينه من أجل الحصول على ذلك الحق وينسبها لشخص لطالما علقّ ما تكابد من أجله على مجتمعٍ أنت فرد منه. لطالما روجت السلطة بأن مشكلة تردي أوضاع المرأة اجتماعية، ورسمت صورة تظهر الدولة كجهة متحضرة تصطدم بمجتمع متخلف. وببساطة تجاهل البعض نضال عقود آفلة وسنوات متلاحقة ليتصدر المشهد وسم #الملك_ينتصر_لقيادة_المرأة -كان الملك أميرا لمنطقة الرياض في عام 90 واستند على المنع الحكومي بقراءته فتوى تحرم القيادة أمام أولياء أمور من قدنّ السيارة في 6، نوفمبر والتي تم حذفها بعد ساعة من صدور الأمر الملكي بالسماح من موقع الرئاسة العامة للإفتاء- حيث تحول التعاون بين السلطة الحاكمة والسلطة الدينية لتحليل ما حُرم في الماضي. 

وبحسب رويترز فإن أربع نساء شاركن في احتجاجات ضد منع المرأة من القيادة تلقين اتصالات هاتفية تأمرهن بعدم التعليق على المرسوم المذكور. (22) وقالت امرأتان أن نحو 25 من الناشطات تلقين اتصالات من هذا النوع. وعلقت ايمان النفجان التي شاركت في احتجاجات على حظر القيادة أنها شعرت بارتياح لرفع الحظر لكنها أصيبت بخيبة أمل بسبب إغفال دور الناشطات.

كما نقلت هالة الدوسري تلقي بعض الناشطات اتصالات من هيئة قضائية تطالبهن بعدم الحديث عن قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة؛ فيما أكد صحافيون حاولوا التواصل مع ناشطات للتعليق على القرار بأنهم فوجئوا بعدم قدرتهن على التعليق دون إعطاء أسباب. كانت الضغوط التي مارستها السلطة واضحة حيث لم تظهر أي من الناشطات في الصحف المحلية في تكرار لما حدث بعد إطلاق حملة 26،، أكتوبر. وتم الاكتفاء بحشد بعض الأشخاص المعروفين بمعارضتهم للقيادة خاصة من التيار الديني ليبالغوا بالثناء على القرار، وآخرين مقربين من السلطة تبدلت آرائهم بمجرد صدور المرسوم الملكي.

صورت الكاتبة هند السليمان المناضلين الذي طالبوا بقيادة المرأة ثم انتقدوا توقيت القرار واعتبروه قد جاء لمصلحة السياسي لا من أجل تمكين المرأة “بالكارهين”؛ وتساءلت حول المناضلين -في مقال نشرته صحيفة  الحياة بعنوان هل يخيفهم الانتصار؟- “هل يعني الانتصار “القرار” زوال مشروعيتهم بالاحتجاج بـ«الكره»؟ ويتضح في المقال أن المناضل المثالي بالنسبة لها هو من يشيد بقرارات السلطة باعتبارها “قفزة كبيرة” على حد تعبيرها. (23)

وكانت وزارة الإعلام السعودية أصدرت بيانا جاء فيه أن “لا أحد يخضع للرقابة أو يواجه تحذيرا من التعبير عن آرائه”، فيما تناقلت بعض الصحف المحلية عقوبة من ينتقد قرار السماح المقتبسة من قانون الجرائم الإلكترونية في مادته السادسة التي تنص على معاقبة من يعد أو يرسل ما من شأنه المساس بالنظام العام بخمسة أعوام سجن أو غرامة 3 ملايين أو كليهما. ومن جانبه توعد المرور بإتخاذ 3 خطوات تجاه من تقود السيارة قبل اليوم الذي تم تحديده وهو 10/10 بتوقيفها أو احتجاز المركبة أو استدعاء ولي أمرها وذلك لمخالفتها القيادة دون رخصة محلية (24) بينما يجوب شوارعنا أطفال يقودون السيارة بحرية تامة دون أن يطبق القانون بحقهم!

وقال السفير السعودي في واشنطن، الأمير خالد بن سلمان، للإعلام الأميركي: “السماح للمرأة بقيادة السيارة خطوة كبيرة، وهو ليس فقط تغييرًا اجتماعيًا، وإنما جزء من الإصلاح الاقتصادي، ولن تكون المرأة بحاجة إلى إذن وليها”.(25) وإذا ما كان حديثه صحيحا فإن المرأة التي ستستطيع استخراج رخصة قيادة دون إذن وليها لن تتمكن من ممارستها دون موافقته؛ فكيف يمكن أن تُمنح المرأة جزء من حقها مع إبقاء القوانين التي تحمي سلطة الرجل المتجذرة في تفاصيل حياتها؟ وكم المدة الزمنية التي ستحتاجها الناشطات للمطالبة بإسقاط الولاية وما مقدار الثمن المطلوب نتيجة استمراره حتى تستجيب الحكومة؟ أم يجب أن يتكرر سيناريو المطالبة بالقيادة وأن تنتظر النساء عقود طويلة لتستجيب السلطة ثم تتفرد بحصد الإشادة والثناء لمنحها حق كانت سبب حرمانه؟

https://thearabnoon.net/2018/01/19/documentingthesaudiwomendrivingdemands/

العنف ضد المرأة

تعرف الجمعية العامة للأمم المتحدة “العنف ضد النساء” بأنه “أي اعتداء ضد المرأة مبني على أساس الجنس، والذي يتسبب بإحداث إيذاء أو ألم جسدي، جنسي أو نفسي للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان التعسفي للحريات، سواء حدث في إطار الحياة العامة أو الخاصة.”

ويؤكد بيان الأمم المتحدة بخصوص العنف ضد المرأة عام 1993 : أن العنف ضد المرأة مظهر من مظاهر العلاقة غير المتكافئة عبر التاريخ بين الرجل والمرأة والذي قاد الرجل إلى الهيمنة والتمييز ضد المرأة ومنعها من التقدم. وأدى العنف ضد المرأة إلى وضعها في أحد الآليات الاجتماعية الحاسمة التي تكون فيها النساء مجبرات على أن يتخذن موقع المرؤوس مقارنة بالرجل، وفي عام 1870 تمت إزالة القانون العام من المحكمة الذي يعطي الحق للزوج “بمعاقبة الزوجة جسدياً إذا أخطأت”. وتم في المملكة المتحدة عام 1891 إزالة حق الزوج التقليدي “بإيقاع عقاب بدني معتدل على زوجته لكي يبقيها ضمن حدود الواجب”

كما نوه الإعلان العالمي لمناهضة كل أشكال العنف ضد المرأة الصادر عام 1993 بأن “هذا العنف قد يرتكبه مهاجمون من كلا الجنسين أو أعضاء في العائلة أو حتى الدولة ذاتها.”

وعرف نجيب الخنيزي العنف الجندري (1) في ورقة قدمها في الملتقى الثقافي يناير 2014 بعنوان العنف الجندري ضد النساء و الفتيات: المفاهيم و التفسيرات بأنه: “كل الأفعال العنيفة ضد المرأة التي ينتج عنها أو من المرجّح أن ينتج عنها أذى جسدي، جنسي، معنوي، أو اقتصادي أو أي معاناة للنساء أو التهديد بها بواسطة الإكراه أو المنع التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك بداخل الأسرة أو في الحياة الخاصة“.

وليس خفيا أن نسب العنف ضد النساء في العالم العربي على وجه التحديد مرتفعة جدًا خاصة مع موجة الحروب التي ضربت المنطقة وأدت إلى أبشع أنواع العنف “الجنسي” فقد أصبحت أجساد النساء جزءًا من الصراعات القائمة (2) التي يطول أثرها ويتعمق حيث لا وجود لمنظمات معنية لمساندتهن ومساعدتهن لتجاوز محنتهن.

سنركز في هذا التقرير عن العنف ضد المرأة السعودية، تلك التي تُسلب أهم حقوقها كإنسانة من حكومتها التي تدعي على الدوام أنها داعمة ومنصفة لها عبر القنوات الخارجية، إضافة إلى مناقشة تقارير حقوق المرأة داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث يكثف المندوب جهوده لتفنيد تقارير دولية تشكك بجدية الحكومة السعودية بالتزامها بالاتفاقيات الدولية أو بسنّ قوانين تحسّن من وضع المرأة وتساهم في مساواتها مع الرجل وغير ذلك ليسرد أقوال دفاعية عن الحكومة وأنظمتها تناقض ما نعايشه على أرض الواقع.

تجريم العنف خطوة متأخرة

طُرح نظام الحماية من الإيذاء أول مرة للنقاش في مجلس الشورى ديسمبر 2012، في خطوة جادة لمواجهة تنامي ظاهرة العنف ضد المرأة  ثم أقرّ مجلس الوزراء في أغسطس 2013 النظام وأعلن إصدار وزير الشؤون الاجتماعية قراراً وزارياً بالموافقة على القواعد التنفيذية للائحة نظام الحماية من الإيذاء مارس 2014.

كما يعرف النظام “الإيذاء في نطاق الأسرة (3) بأنه “كل شكل من أشكال الاستغلال، أو إساءة المعاملة الجسدية أو النفسية أو الجنسية، أو التهديد به، يرتكبه شخص تجاه شخص آخر، بما له عليه من ولاية أو سلطة أو مسؤولية، أو بسبب ما يربطهما من علاقة أسرية أو علاقة إعالة أو كفالة أو وصاية أو تبعية معيشية””

ويفرض القانون عقوبة للإيذاء الأسري تتراوح بين الحبس شهراً وعاماً، و/أو غرامة بين 5000 ريال (1333 دولاراً) و50 ألف ريال (13330 دولاراً) ما لم تنص أحكام الشريعة على عقوبة أغلظ. يمكن للقضاة مضاعفة العقوبات المقررة في حال تكرار المخالفين لأعمال الإيذاء.

وسبق أن قامت مؤسسة الملك خالد بتدشين حملة إعلامية للتوعية بمشكلة العنف الأسري في السعودية، تحت عنوان “وما خفي كان أعظم..معا لمحاربة العنف ضد المرأة” 2013 وهي أول حملة سعودية توعوية تتناول العنف ضد المرأة (4)

وقالت أن “ظاهرة المعنفات في السعودية أكبر بكثير مما هو ظاهر على السطح ومما هو متوقع فيما رأت مديرة برنامج الأمان الأسري الدكتورة مها المنيف أواخر العام الماضي أن معدل العنف ضد المرأة في السعودية متوسط مقارنة بالدول العربية، حيث تصل نسبة تعرض المرأة السعودية للعنف إلى 40% وتنحصر بين العنف الجسدي والسلطة والتحكم والعنف الاقتصادي والعنف النفسي.

وطرحت خمس جهات حكومية 35 عائقا واجهتها في تطبيق نظام الحماية من الإيذاء، إذ شددت وزارة الشؤون الاجتماعية على مواجهتها عائق تأخر البت في القضايا الأسرية لحماية المتضررين، والتهاون الأمني في بعض الحالات وعدم احترام دور الحماية الاجتماعية، وفق ما أكدته مديرة دار الحماية والضيافة الاجتماعية بالرياض الدكتورة موضي الزهراني (5)

وترى هيومن رايتس ووتش أن القانون ولوائحه التنفيذية ينصان بوضوح على إمكانية إدانة ولي الأمر بالإيذاء لكن مفهوم الإيذاء تغاضى عن بعض أشكال الضرر الأخرى، وذكر فقط الإيذاء “الذي يتجاوز حدود ما له من ولاية” هذا التعريف لا يحدد بوضوح الأعمال التي تُعد مقبولة في إطار ولاية الرجل وتلك التي تتجاوزها، أيضا القانون لا ينص صراحة على الإنتهاكات الاقتصادية كجزء من العنف الأسري كما تنص على ذلك المعايير الدولية (6).

كما كشف مستشار وزير العدل لشؤون البرامج الاجتماعية والأسرية د.ناصر العود إن الصعوبات التي واجهت العدل في تطبيق نظام الحماية من الإيذاء تكمن في عدم دراسة النظام من جانب القضاة وبالتالي لا بد من تنظيم حلقات نقاش ودورات حول النظام، وعدم تحديد مفهوم الإيذاء مفهوما إجرائيا بما يمكن القضاة من الرجوع إليه، حيث جاء من ضمن المفهوم (امتناع شخص أو تقصيره في الوفاء بواجباته والتزاماته) ولم تحدد الواجبات والالتزامات بشكل دقيق بما يمكن من إصدار أحكام واحدة في القضايا المشابهة(7).

كما أن من منتقدي القانون من يرى أن الأنظمة القضائية لوزارة العدل تقف أمام قضايا العنف والولاية بدليل إجرائي موحد.

رغم وجود قانون، لا تغير ملموس

فبين قصة سمر بدوي 2009 قبل إقرار قانون الحماية من الإيذاء وقصة مريم العتيبي 2016 بعده، لم نلحظ تغيرًا  ملموسًا فرغم تشابه قصتهما مع عنف الولي الذي استغل مكانته التي يمنحها له القانون فالمعنفة إذا ما قررت مواجهة معنفها بالتخلي عن صمتها -وطرق الأبواب التي يفترض أن تكون مفتوحة لتنقذها وتخلصها من ما تعانيه من أقرب الناس إليها- تفاجأ بعقبات تتلوها عقبات أخرى. لتقبل شكواها لدى قسم الشرطة تحتاج “وليها” الذي على الأرجح وفي عدة قصص قرأناها وسمعناها يكون هو المعنف الذي تريد رفع شكوى ضده، وإذا ما قُبلت شكواها دونه، فيمكن لوليها مباغتتها برفع قضية عقوق ضدها كما في حالة سمر بدوي حيث تم احتجازها 7 أشهر بتهمة العقوق، وقد يكون شقيقها “غير الولي” والتي تود رفع شكوى ضده بسبب تعنيفه المتكرر كما في حالة مريم العتيبي ليتم الضغط عليها لتتنازل عن شكواها عن طريق والدها الذي تمكن من رفع شكوى عقوق لتحتجز يومين – و يبدو أنها تنازلت عن شكواها لتنال حريتها- وبذلك وبالاستناد على ثغرات قانونية يستطيع المعنف أحيانا  الفرار من العقاب وتبقى المعنفة في دائرة المأساة.

أما في مارس من عام 2014 اضطرت مواطنة -وخلال فترات عديدة- إلى دفع مبالغ مالية لزوجها، فقط لكي يتوقف عن ضربها وإيذائها هي وأطفالها تحت سن خمس سنوات حتى وصلت المبالغ المدفوعة لقرابة 300 ألف ريال، اضطرت بعدها للجوء للجهات المعنية لفسخ عقد النكاح، بعدما حبسها وأولادَها في المنزل، ووضع إسمنتاً على بابه طيلة خمسة أشهر، ولم تخرج منه إلا بعدما حضرت الشرطة التي فتحت تحقيقاً في الموضوع (٨).

وفي قصة أخرى توضح إنحياز الأنظمة التي تعتبر المرأة ناقصة الأهلية بينما الرجل العليل يكون ولي ويعطى الإذن رسميا بالتلاعب بحياة المرأة حاضرها ومستقبلها ويحولها لجحيم لا يطاق، فقد تمكن مواطن من استغلال ولايته على شقيقاته الثلاثة بعد وفاة والده ومنع الأولى من مزاولة عملها بعد أن قضت 20 عام في التعليم وهي في العقد الرابع من عمرها (٩).

بينما منع الأخريات من الدراسة في الجامعة وضربهن وحبسهن داخل المنزل فيما هو يراقب خارج المنزل بالكاميرات من غرفة معزولة، كما هددهن بالقتل، وبعد شهر من تقديم بلاغ للشرطة توجه رجال الأمن للمنزل وطرقوا الباب ولكن بلا فائدة، مع العلم أن الشؤون الاجتماعية رافقت الدوريات مرة واحدة فقط، ولم يروا منهم أي تجاوب.

بالرغم من أن نظام الحماية من الإيذاء ينص في مادته الثامنة أنه” إذا ظهر لوحدة الحماية من البلاغ خطورة فعليها إبلاغ الشرطة وغيرها من الجهات الأمنية والطلب منها إتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحالة بما يتماشى مع خطورتها” وهذا ما تم تجاهله.

وفي مادته السابعة / الفقرة الخامسة تنصّ على: “أنه في حالات الإيذاء غير الخطير-لم يتم توضيح ماهيته- أن تبقى الحالة مع عائلتها مع أخذ تعهد على ربّ الأسرة أو من يقوم مقامه” وسبق أن حدث مثل ذلك في عام 2008 حيث أخذت الوزارة تعهد على ذويّ هاربة من أسرتها إلى دار الحماية ثم تعهدوا بعدم إيذائها مجددًا ليعيدوها معهم ثم بعد أيام علمت الوزارة أن من تعهد بعدم الإيذاء قد قتلها! (10).

وبين الفينة والأخرى تظهر لنا شبكات التواصل الاجتماعي قضايا العنف وكأنها أصبحت أشبه بالظاهرة الصامتة التي تنخر في المجتمع، مع وجود قانون هزيل وتطبيقه يجري بحسب الوضع العام للمعنفة فيمكن أن تتدخل علاقات معنفها في الحد من إيصال صوتها أو حتى الإيقاع به ومحاسبته على تعديه المتعمد على الضحية، كما في حالة أحلام الشمري التي كان مصيرها دار الرعاية للفتيات -وهي تشابه السجن في نظام ادارتها- بعد أن سردت قصتها عبر تويتر وتمكن والدها من إدخالها من مكان كانت تخشاه وتستجدي المجتمع بأكمله -وبمقدمته الحاكم- على أن لا تدخله، لكنه كان الكابوس الذي كان في إاتظارها ولم تستطع الفرار منه وبات النشطاء عاجزين عن إخراجها أو عمل شيء لها حتى من خلال تغريدات، بحيث أصبحت كغيرها من ضحايا العنف في مهب النسيان.

مساهمة نظام الولاية في إستمرار العنف

يمكن تلخيص فلسفة الدولة المتّبعة في قضايا المرأة بأنها ناشئة غالبا عن ثلاثة جذور: الأعراف القبلية الأبوية والبعد الديني السلفي للدولة و أخيرا الطفرة المادية المصاحبة لبدايات إنشاء الدولة و مؤسساتها (11)

وعلينا أن ندرك أن أي قانون سيصدر وإن كانت مواده المدرجة أنيقة فإنه سيصعب تنفيذها في واقع مجتمعي معقد وأنظمة جائرة بحق نصف المجتمع بجعل النصف الآخر متحكما ومسيطر على حياتهن وعلى أبسط أمورهن فهن لا يملكن الخيار بل يجبرن على التملق للرجل لإسترضاءه وإستجداءه لإكمال الدراسة أو العمل أوالخروج من السجن وغيرها من أمور متعلقة بأدق تفاصيل حياتهن.

فبالنسبة إلى المرأة السعودية، تُعد حرية الاختيار من الكماليات، حيث يجب أن تتطابق قراراتها مع قرارات ولي أمرها، ووحدها المرأة التي تعيش مع ولي أمر متفهم يمكنها التحكّم بحياتها أما البقيٌة فعليهنّ أن يتعايشن مع القيود التي يفرضها عليهن أولياء أمورهن (12)

فالأولى إسقاط ولاية الذكر عن المرأة منذ بلوغها سن الرشد تماماً كالذكر لتصبح مستقلة بذاتها وتدير حياتها بالشكل الذي هي ترغبه، وليست بحاجة لشخص آخر يكون الوصي والمتحكم بقراراتها المصيرية فهي كاملة الأهلية أمام القانون ويجب أن تعامل على هذا الأساس في القوانين! وإلا فإن أي قانون يستحدث لن يحل القضية بل سيعمق وجودها لأنه لم يمسّ جوهرها.

وسبق أن طالبت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمان الأسري الوطني الدكتورة مها المنيف بضرورة إلغاء صك الولاية على المرأة وتعديل نظام الولاية، خاصة بعد أن تبين أنه أحد أسباب ممارسة العنف على المرأة -نوفمبر من عام 2010- وقالت إن الدوائر الحكومية لا تأخذ برأي الأشخاص وإنما تأخذ برأي الولي حيث تم توسيع مظلة الولاية لتشمل كل أمور المرأة من تعليم وعمل وسفر وكأنها سلعة! (13)

وكان من ضمن إقتراحات منظمة هيومن رايتس ووتش لوزارة العمل والتنمية الإجتماعية: تعديل المادة الأولى لنظام الحماية من الإيذاء “بسحب الولاية من كل من اتهم بارتكاب انتهاكات، وكذلك سحب الولاية ممن يرفض إطلاق سراح امرأة من السجن أو يرفض مغادرتها لملجأ كما يجب تعديل مواد القانون التي يبدو أنها تعطي أولوية للمصالحة العائلية على حساب حماية المرأة أو التي توفر ملجأ فقط للحالات التي تعتبرها الوزارة خطيرة (14)!”

وسبق أن صنف رئيس جمعية حقوق الإنسان الأسباب التي يتم من خلالها نزع الولاية من الولي، قائلا إن ذلك يتم في حدود معينة، منها إذا كان الولي يعاني مرضا عقليا، أو يمارس العنف الأسري، وعضل النساء عن الزواج، والحرمان من الميراث، وإدمان المخدرات، كاشفا أن هناك أولياء كالإخوة المتسلطين، ويتم إسقاط ولايتهم بعد التأكد من ذلك من قبل الجهات القضائية (15)

وقد يقول أحدهم أن المرأة تستطيع أن تذهب للمحكمة وتطالب بإسقاط وليها السيء لكن ليس من السهل الحصول على حكم لصالحها بل بحسب مزاج القاضي فهي مضطرة لإقناعه أولاً بأن وليها غير جدير بهذه المسؤولية وأن تثبت أنه مصدر للضرر عليها وتطول القضية وربما تتعقد لدفع المرأة لليأس والتوقف، وإذا ما صبرت واستمرت قد يصدر الحكم بنقل الولاية من شخص لآخر وهي على الأغلب أن تكون الولاية للمرأة نفسها في حدود ضيقة إذا كانت أرملة أو مطلقة ” بعد أن يرى القاضي أنها قادرة وتستحق”.

وطبقاً لمحامية تعمل مع الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان فإن إلغاء ولاية الأب، حتى لو كان مسيئاً، هي إحدى أصعب القضايا التي يمكن توليها، ولا تتعدى نسبة النجاح فيها 1 إلى 2% (16)

كما أوضحت عضو جمعية حقوق الإنسان السعودية، الدكتورة سهيلة زين العابدين: أن أكثر الجرائم التي تعاني منها المرأة تتعدى العنف الجسدي إلى القانوني، فبحسب القانون السعودي في حال أقدمت امرأة على جريمة حتى ولو كانت بسيطة مثل جريمة أخلاقية في الشارع، لا تستطيع الخروج من السجن إلا بموافقة ولي أمرها، وتضيف “كثير من السعوديات مسجونات حتى بعد أن أنهين فترة سجنهن، حاولنا في الجمعية أن نجد حلولا لهذه المشكلة الكبيرة، للأسف هناك تناقض كبير في النظام، فالمرأة تُعامل كإنسان كامل الأهلية عند تطبيق العقوبة عليها، ولكن عندما تنتهي العقوبة يعود النظام ليعاملها كإنسان ناقص يحتاج لولي يستلمه، ويحكم في كثير من الحالات أن تقضي كامل حياتها في السجن بسبب خطأ قد لا يقارن بما يفعله الرجل من جرائم. ولا تستطيع مغادرة السجن إلا بموافقة ولي أمرها (17)”.

وسجلت المحاكم في عدة مناطق 50 قضية خلال العامين الماضيين تطالب فيها نساء بنزع الولاية بعد تعرضهن للعضل والعنف والحرمان من رواتبهن وممارسة العنف اللفظي تجاههن.

تفاعل الجمعيات مع اليوم العالمي لمناهضة العنف

أطلقت جمعية وئام للتنمية الأسرية بالمنطقة الشرقية حملة “إفهمني” بالتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة الجمعية نشرت عبر حسابها في تويتر منشورات وصفتها بالتوعوية، لكن حقيقه الأمر أن المنشورات كانت مسيئة للمرأة وترسخ الفكر الذكوري بالمجتمع إذ أنها حملت المرأة المعنفة مسؤولية ما تعانيه وظهرت المرأة كجارية تتوسل العفو والمغفرة على جُرم لم ترتكبه “التعنيف” من سيدها الذي لم تحملة الجمعية أي مسوؤلية تجاة تعنيفه بل وبررت له وتحدثت بلسانه بلوم المرأة على الروتين ومطالبة إياها بالتغيير وكأن هناك مبرر يمكن قبوله كدافع للتعنيف!

الجمعية لديها برنامج لتأهيل الشباب المقبلين على الزواج استفاد منه أكثر من 20 ألف متدرب حسب موقعها ولنا أن نتصور الأسلوب المتبع لتلقين الأزواج الجدد الدور المستقبلي حسب الجنس لا كشركاء في أسرة واحدة.

الحملة واجهت موجة غضب عارمة حيث أطلقت ناشطات هاشتاغ #لسنا_خادمات_يا_جمعيه_ويام وهاجمن الجمعية والقائمين عليها مما دفع الجمعية لحذف جميع منشوراتها والاعتذار من النساء بتصريح مدير الجمعية د.محمد عبدالقادر عبر قناة العربية  أن الجمعية أخطأت ولم توفق في إبراز ما أرادت أن توصله.

وفي جولة سريعة على الجمعيات الأخرى فقد أطلقت جمعية الوليد الإنسانية حملة #سكوتك_علامات_الرضا وهي حملة توعوية للحد من العنف ضد المرأة ونشرت فيديو لفتاة تتلقى الصفعات دون أن تتحدث أو تدافع عن نفسها ولو بيدها، الفكرة لم يوفق القائمين عليها حيث جعلوا الصمت دليل للرضا بينما من الممكن أن يكون له دلائل أخرى كعدم قدرتها على الوصول أو التواصل مع لجان الحماية بسبب المعنف نفسه.

أما هيئة حقوق الإنسان السعودية فقد اكتفت بالتذكير ببعض مواد نظام الحماية من الإيذاء.

 تنامي العنف

تعزّز دراسات أعدّها “مركز رؤية للدراسات الاجتماعية” أنّ 83% من الزوجات المعنّفات تعرّضن للعنف الجسدي، فيما أكّدت دراسة متخصصة أخرى أنّ ثلاث سعوديات من أصل خمس يتعرّضن لعنف منزلي وكذلك في مكان العمل. وتقول المتخصّصة الاجتماعية نوف العلي إنّ “المرأة -سواء أكانت أماً أو أختاً أو ابنة- تتعرّض للعنف بسبب رواسب ثقافية مجتمعية منحت الرجل السلطة العليا. يأتي ذلك إلى جانب تدنّي مستوى دخل بعض الأسر، الأمر الذي يضطر المرأة إلى تحمّل العنف خوفاً من عواقب الطلاق، لعدم توفّر ملاذ آمن يحميها”

وكشف تقرير للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان عن أنها تلقت 111 قضية عنف كانت ضحيتها نساء في الأشهر الستة الأخيرة فقط، فيما سجّلت في العام الماضي 317 قضية عنف في حقّ امرأة واستقبلت المحاكم السعودية 11 ألفاً و130 قضية إعالة وولاية في مختلف المناطق.

وبلغت حالات العنف الأسري التي تلقتها الداخلية خلال 5 أعوام 12267 قضية، بينما بلغت الحالات بحسب إحصاءات العدل 1110 قضايا عنف ضد المرأة خلال 3 أعوام (18)

وفي مارس الماضي أُطلق مركز بلاغات العنف الأسري التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية لتلقي شكاوي العنف الأسري، فتلقى المركز 1890 في الأيام الثلاثة الأولى (19)

وكشفت دراسة أعدتها الباحثة نجوى الثقفي -ونشرتها جامعة نايف للعلوم الأمنية- عن جرائم العنف الأسري في المجتمع السعودي أواخر للعام الحالي أن تفوق المرأة التعليمي على الرجل يعرضها في العديد من الحالات إلى أن تكون ضحية للعنف (20)

وأضحت الدراسة أن “أهم العوامل الاجتماعية المؤثرة في جرائم العنف الأسري الوضع الاقتصادي، والتنشئة الأسرية، وتباين المستوى التعليمي”، وذكرت الدراسة أن “الوضع الاقتصادي من أهم العوامل المؤثرة في جرائم العنف الأسري، حيث يعاني الجاني من أزمات اقتصادية تزيد من وتيرة الخلافات، فيرى أن مرتب الزوجة من حقه، وفي حال رفضها منحه إياه يستخدم العنف معها”. وأضافت أن “أهم العوامل الاقتصادية المؤثرة في جرائم العنف الأسري البطالة التي يعاني منها الجاني، فيشعر بتدني منزلته ومكانته، فيمارس العنف ضد المرأة”.

وهي مطابقة لدراسة أجراها مركز”عالم بلا مشكلات” للاستشارات الاجتماعية والتربوية عام 2012 حيث كشفت أن 50% من حالات العنف ضد المرأة العاملة سببها العنف “الاقتصادي”، والمبني على حرمان المرأة من حقوقها المادية، والاستحواذ على أي دخل شهري ثابت لها، سواء من الميراث الشرعي، أو الكسب الوظيفي، أو معاشات التقاعد والضمان الإجتماعي. (21)

وعن ارتفاع عدد حالات العنف الأسري في القصيم إلى 1135 حالة مقارنة بالعام الماضي 1021علق أمير القصيم بأن “القوامة هدف لحماية الأسرة ويجب ألا تكون تسلطًا استبداديًا ومصادرة لرأي المرأة وإزدراء شخصيتها. (22)”

فيما استقبلت وحدة الحماية الاجتماعية بالدمام 1154 بلاغا لحالات اجتماعية خلال العام الماضي 1437هـ ، عبر مركز البلاغات جرى التعامل مع 1101 حالة، بينما 53 حالة منها قيد المعالجة . (23)

خاتمة

نصت المادة الثامنة من القانون الأساسي للدولة على المساواة بين المواطنين السعوديين ونبذ التمييز على أساس الجنس، ومع ذلك تواجه المرأة السعودية نظام التمييز ضدها في غالبية أنظمة الدولة مما يعني إستمرار سلطة الرجل وامتيازاته في النظام الأبوي باستمرار خضوع النساء و قبولهن (24)، لكن مؤخرا ظهر جيل واعٍ يرفض الدور الهامشي المفروض عليهنّ عن طريق التمرد عليه بالحديث عن ما يعانينه في كافة شؤون حياتهنّ وإطلاق حملات تطالب بحقوقهن مثل إسقاط الولاية وقبلها قيادة السيارة. سيقلقنّ المجتمع ويلفتنّ نظر السلطة وسيتوقفنّ حين يغيرنّ ما يهدف إليه النظام بجعلهنّ كائن ضعيف تحت وصاية آخر لا يسمح لهنّ بتقرير مصيرهنّ.

النظام الذي يضع المعنفة أمام خيارات ضيقة بعد هروبها من معنفها لدار الحماية فهي تجبر على اختيار واحد من بين ثلاثة في غاية الظلم والجور: العودة لمعنفها، تزويجها للخروج من الدار، أو البقاء داخله في مواجهة بيئة غير صالحة للحياة الآدمية.

ينبغى أن تقرّ السلطة بوجود قوانين تمييزية وأن تغيرها لا أن تجملها وأن تقف في صف الضحية لا جلادها، أن تمنحها الأمان لا الخذلان، فالسلطة أقرتّ مبدئيا بذلك بإنضمامها إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة”(سيداو) عام 2000 رغم تحفظاتها وهي مُلزمة بإلغاء التمييز ضدّها، لكنها كعادتها لا تلتزم بإتفاقيات من شأنها تغيير الوضع الحالي للأفضل، والسلطة وحدها من وضعت كل هذه القوانين وفرضتها على المجتمع الذي لطالما كان الشماعة لحرمان النساء من حق ما، فإذا ما أراد والد إحداهن إسقاط ولايته عن ابنته البالغة على سبيل المثال فإنه لن يستطيع، كذلك إذا سمح لها بالقيادة فإنها لن تستطيع، فهناك قوانين وضعتها السلطة كقيود لا يمكن التحرر منها إلا عن طريق تغييرها من صاحب القرار ذاته وليس المجتمع أو أي تيار آخر.

المراجع:
(1) https://saudiwomenrights.wordpress.com/2014/03/01/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%AF%D8%B1%D9%8A-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81/
(2) http://news.bbc.co.uk/2/hi/4078677.stm
(3) http://www.assakina.com/rights/human-rights/31476.html
(4) http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2013/04/130430_saudi_arabia_violence_compaig
(5) http://makkahnewspaper.com/article/67683
(6) https://www.hrw.org/ar/report/2016/07/16/292114
(7) http://makkahnewspaper.com/article/67683
(8) https://sabq.org/BluGHe?w=ac2
(9) http://www.alweeam.com.sa/429067/%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86-%D9%8A%D8%AD%D8%A8%D8%B3-%D8%A3%D8%AE%D8%AA%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A9-%D9%88%D8%B4%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%AA%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D9%85%D9%86%D8%B0/
(10) https://saudiwomenrights.wordpress.com/category/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF/
(11) https://halahayat.wordpress.com/2014/11/11/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%8A-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83/
(12) https://www.foreignaffairs.com/articles/2016-08-29
(13) http://www.alyaum.com/article/2801238
(14) https://www.hrw.org/ar/report/2016/07/16/292114
(15) http://alwatan.com.sa/Nation/News_Detail.aspx?ArticleID=274958&CategoryID=3
(16) https://www.hrw.org/ar/report/2008/04/19/255717
(17) https://www.alaraby.co.uk/society/2016/11/25/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B6%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%86-%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D8%AD%D9%85%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D9%81
(18) https://www.alaraby.co.uk/society/2016/9/27/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D8%B9%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%81%D9%83-%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D9%84
(19) http://www.alriyadh.com/1141423
(20) http://www.alwatan.com.sa/Nation/News_Detail.aspx?ArticleID=282482&CategoryID=3
(21) http://www.alwatan.com.sa/Nation/News_Detail.aspx?ArticleID=85210&CategoryID=3
(22) http://www.okaz.com.sa/article/1510484/%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA/%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D9%8A%D9%85-%D9%85%D9%86%D8%B2%D8%B9%D8%AC%D8%A7-%D9%85%D9%86-1135-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D9%86%D9%81-%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%AA-%D8%AA%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7-%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9-%D8%B1%D8%A3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9
(23) http://www.alyaum.com/article/4168743
(24) https://halahayat.wordpress.com/2014/11/11/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%8A-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83/

تأريخ العمال وثورة الجائعين

 

b-300x300.jpg

 

لم تكن الجزيرة العربية منطقة جاذبة لشد الرحال إليها والعمل بها لطلب الرزق ولولا النعمة العظيمة التي منحها الإله في باطن أرضها لما تطورت البلاد بشكل سريع و استقطبت بشكل كبير أيدي عاملة من شتى دول العالم على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم وبتنوع مهاراتهم وخبراتهم كانت الدولة في حاجة ماسة إليهم , فقد أدى ظهور البترول إلى تغيرات شاملة وكان من نتيجة ذلك أن اتجهت دول الخليج العربي ومنها المملكة العربية السعودية اتجاهات واسعة نحو البناء الحديث والبدء في خطط تنموية طموحة, ومن الطبيعي أن تكون هناك عقبات أمام عملية البناء التي شرعت فيها المملكة كانخفاض عدد السكان وضعف تأهيل الكوادر البشرية الأمر الذي دفعها من أجل تحقيق آمالها الطموحة إلى الاعتماد على العالم الخارجي لإشباع متطلبات التنمية وتحولت المملكة إلى سوق العمل توفرت له كل عناصر النجاح(1) ومع تسارع الزمان وتطور المكان أصبحت السعودية أكثر نموا وبسبب القفزة الاقتصادية وارتفاع معدلات دخل الأفراد حيث بلغ نصيب الفرد في السبعينات من الناتج المحلي الإجمالي إلى رقم قياسي عالمي 1.858 ٪ بفضل طفرة النفط، هذا الرخاء في العيش ساهم في فتح الباب إلى تنوع وتوسع القطاعات التي فتحت الباب لاستقدام أعداد هائلة من الأيدي العاملة المدربة وغير المدربة وتضاعفت مع الزمن لدرجة أن وصلت أرقامهم أكثر من 11 مليون وافد في آخر إحصائية لمركز الإحصاء السعودي، وشكل هذا الرقم الضخم تحدي كبير لوزير العمل لتقليصه عن طريق الاستغناء عن بعضهم و إحلال القوى العاملة الوطنية كبديل لهم عبر مشروع “السعودة” الذي بدأ في منتصف التسعينيات ولا زال يترنح في طريقه للنجاح وذلك في محاولة لخفض نسب البطالة المرتفعة في المجتمع خاصة في قطاعات التجزئة وهي الخطوة الأخيرة التي تعمل الوزارة على إنجاحها وبعد سنوات من الاعتماد الكلي على النفط ومع انخفاض سعر البرميل وتردي الوضع الاقتصادي والعجز في السنوات الأخيرة في الموازنة أعلن محمد بن سلمان عن خطته للإصلاح الشامل “خطة التحول الوطني 2020” لاسيما على الصعيد الاقتصادي حيث أطلق حزمة من الإصلاحات الاقتصادية تحفز القطاع الخاص على الاستثمار في المملكة عن طريق إزالة المعوقات الاجرائية، كما أن هذه الحزمة تستهدف أيضًا تنويع الاقتصاد بحيث تدعم الصادرات الغير النفطية المحلية مع تهاوي أسعار النفط، بحيث سيعتمد البرنامج على التوسع في اقتصاد السوق الحر بمعنى دخول السعودية بقوة لمجال “الخصخصة” (2)

ووعد محمد بن سلمان عبر صحفية بلومبرج بأنه “في غضون 20 عامًا، سنكون دولة لا يعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على النفط

وقد أشاد اقتصاديون كثر بما جاء بخطة التنمية خاصة العمل على خصخصة القطاعات بشكل تدريجي حيث روجت حكومات الخليج الخصخصة القادمة، بوصفها ضرورة اصلاحية، مع تجاهل تامّ لأبعاد الإصلاح الأخرى وثيقة الصلة بالعمّال، مثل حقّ المواطنين في تأسيس النقابات العمالية، نموذج صغير ومثالي للتعرّف على تركيبة “الإصلاحات المؤلمة” التي تروّجها الحكومات، إذ إنها تفترض أن يكون القرار من نصيبها، والألم من نصيب المواطنين(3)

النقابات والحراك العمالي

صراع المصالح المنظم بين العمال ورأس المال بدأ في الظهور في القرن الثامن عشر، فخلال ذلك القرن، نظم الحرفيون أنفسهم في بعض المراحل في شكل “جماعات”، وهو الشكل البدائي للاتحادات التجارية التي تطورت بعد ذلك وقاموا بتكوين تلك الجماعات لأن التنظيمات الجماعية كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة التي تمكنهم من حماية مصالحهم في مواجهة أصحاب العمل الرأسماليين في سعيهم الدائم إلى تشغيلهم بأدنى الأجور، أو تشغيل الأقل خبرة منهم بأجور متدنية (4)

والنقابة هي منظمة هدفها تمثيل العمال ومصالحهم أمام أرباب العمل في كافة حقوقهم وتقوم بالدفاع عنهم في حال تم انتهاك أيا منها وتستطيع أن تنظم عصيانا أو إضراب عن العمل في حال تعنت صاحب العمل من التجاوب معهم بشكل ودي ولم يلتزم بتعهده في العقد المبرم بينهما ومن المعروف أن بداية نشأتها تزامن مع الثورة الصناعية ومع تزايد أعداد العمال كان لابد من جهة اتحادية داعمة لمصالحهم ومحققه لها وتحميهم من استغلال أصحاب العمل وتؤمن لهم العدالة في الأجور وظروف العمل لكن بطبيعيه الحال واجهت هجوم وتحدي شرسا من قبل أصحاب العمل وجرى محاكمتهم بتهم التآمر على الدولة لوجود نقابيين كان لهم ميول سياسية.

وهنا لابد من التذكير لأبرز حراك عمالي شهير في السعودية وقد كان لعمال شركة ارامكو في عام 1945 وكانت المطالبات تتركز على حقوق العمال من الإجازات وتقليص ساعات العمل ونالوا ما أرادوا حيث استجابت الحكومة لهم آنذاك بإصدار قانون للعمل مستوحى من التشريعات المصرية وحدد أسبوع العمل 6 أيام وساعات العمل 8 ساعات في كل مؤسسة يزيد عدد العمال المأجورين فيها على عشرة عمال، ويبدو أن خطوات الحكومة لم تكن كافية ولم تحقق المطالبات السابقة حيث تجدد الإضراب العمالي في نهاية الأربعينات واستمر يتجدد حتى نهاية الخمسينات

والتي تطور فيها الإضراب لتصبح انتفاضة لعمال الظهران في عام 1953 حيث كان قائدها المعارض ناصر السعيد ومؤسس للجنة العمالية فيما بعد، ثم شكل عمال ارامكو لجنة بمثابة نقابة، وفي العام التالي بدأوا كفاحهم بحزم فقد طالبوا بضمان حق التنظيم النقابي وزيادة الأجور وإنهاء التمييز العنصري وتوفير مساكن جديدة للعمال ودفع أجور النقل وغيرها من المطالب  وامتنعت إدارة ارامكو عن تنفيذ هذه المطالب، واعتقل 12 عضوا من اللجنة العمالية آنذاك ثم بعد أسابيع تم الاستجابة لمطالبهم وأطلق سراح المعتقلين من أعضاء اللجنة وأعيدوا إلى أعمالهم، ولكن العمال لم يحصلوا على حق التنظيم النقابي واستمرت في السنوات الثلاث التالية المفاوضات بين ممثلي العمال والشركات، وتولت لجنة ملكية خاصة النظر في النزاع  ولكن السعي للحيلولة دون وجود حركة عمالية منظمة كانا القاسمين المشتركين بالنسبة للسلطات السعودية والشركات.

شكلت ارامكو ما يسمى بـ (لجان الاتصال)، وكلفت شكليا بدراسة مطالب العمال لتفادي النزاعات  أما في الواقع فإن هذه اللجان كانت تبحث عن (العناصر الحربية) وتلاحق النشطاء من العمال وعندما وصل الملك سعود إلى الظهران في 9 يوليو 1956 استقبلته مظاهرة جماهيرية وسلمت إلى الملك مطالب العمال وهي : الاعتراف رسميا باللجنة التي انتخبوها وزيادة علاوة غلاء المعيشة وزيادة الأجور وتقليص يوم العمل ووقف التسريح الكيفي ومساواة العمال المحليين والأمريكان في الحقوق وإلغاء التمييز العنصري وإصدار قانون يكفل حقوق عمال ارامكو ويحمي كرامتهم وبعد يومين أصدر الملك مرسوما يمنع كل الإضرابات والمظاهرات ويوقع على المخالف عقوبة الحبس لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات ثم بدأت حملة اعتقال وتعذيب العمال النشطاء وفق قوائم أعدتها الأجهزة الخاصة لارامكو.

ورغم الحظر جرى الإضراب الأول متحديا الحظر عام 1958  حينما توقف السواق العامل لدى أحد المقاولين عن العمل احتجاجا على الساعات الإضافية، وتعتبر الاضطرابات العمالية عام 1956 آخر وأهم حراك على درجة عالية من التنظيم كما يذكر علي العوامي في مذكراته التي نشرت بعد وفاته لعدة أسباب أهمها قمع السلطة الذي كان بالمرصاد لكل حراك جاد.

وترى إيمان القويفلي بأن حركة إضراب الموظفين في عدد من المؤسسات الخاصة والحكومية في 2011 وهي فترة الربيع العربي هو الحِراك الاجتماعي الأهم على الإطلاق، وترجع أهمية التحركات العمالية كحدثً سعودي لسببين رئيسيين:

السبب الأول يتعلق بإعادة ترتيب مناخ العمل، وإعادة كتابة قوانين اللعبة والغياب التامّ للنقابات العمالية في السعودية، الشيء الذي يحوّل هذه الكتلة الضخمة من العاملين السعوديين وغير السعوديين إلى كتلة عديمة الوزن، عاجزة عن إسماع صوتها والتفاوض وإلزام المشغّلين بحدٍ أدنى من الأجور وساعات العمل وبتقديم الرعاية الصحية، هذه البيئة التي يأخذ العمل فيها صيغة “العرض والطلب” على إطلاقها دون إلزام المشغّل بحدٍ أدنى من الحقوق.

والسبب الآخر، من منظور أوسع يمكن النظر إلى تحرّكاتٍ كهذه بصفتها أحد أجوبة الإصلاح في السعودية. فقد يكمن جواب ما هو سياسيّ تحديدًا فيما هو غير سياسيّ، وقد تكون الطريقة الأكثر عملية لتجاوز الانسداد الإصلاحي هي عبر التوجه نحو المفاصل الاجتماعية المهمة التي تغيب عن الذهن الإصلاحي في ظل تركيزه على الديمقراطية وحقوق الإنسان (5)

القانون مكبل للحراك العمالي

وبالعودة إلى النظام الأساسي للحكم وقانون العمل فليس هناك أي حق لتأسيس نقابة عمالية أو الإضراب عن العمل بل ويجرم القانون ذلك وقد يتعرض العامل للفصل أو السجن كل من يؤسس نقابة، وإن كانوا أجانب فيتم تسفيرهم (6).

وقد استجابت الحكومة لرغبات عمال المملكة بإيجاد “لجان عمالية” رسمية تُعنى ببعث الحوار بين العمال وأصحاب العمل للوصول إلى بيئة عمل صحية وحضارية، حيث صدر قرار مجلس الوزراء بتاريخ 8 /1/1422هـ بوضع قواعد تشكيل اللجان العمالية وكذلك قرار وزير العمل رقم 1961 وتاريخ 27/1/1423هـ بإصدار اللائحة التنفيذية لتلك القواعد لتحقيق رغبة عمال المملكة، ومن ذلك التاريخ في سنوات قليلة انطلق تكوين اللجان كتجربة جديدة في المملكة أخذت حيزاً في الأداء والحضور محلياً ودولياً.

ثم توالى ذلك بخطوة ناجحة قام بها العمال نحو تأسيس اتحاد عام مستقل لعمال المملكة، وبناءً عليه تم التشاور مع وزير العمل لتكوين فريق عمل لهذا الغرض وأخذت صبغة رسمية شجعها وزير العمل بقراره رقم 3060/1 وتاريخ 21/12/1431هـ لانطلاق أعمال فريق العمل لتأسيس اتحاد اللجنة الوطنية للجان العمالية (اتحاد عمال المملكة) يتفق مع المبادئ والمعايير الدولية(7).

وفي عام 2002 أصدر معالي وزير العمل والشؤون الاجتماعية الدكتور علي بن إبراهيم النملة قراراً بالموافقة على اللائحة التنفيذية لقواعد تشكيل لجان العمل وهي اللجان التي سوف تشكل من عمال المنشأة السعوديين الذين يصل عددهم مئة عامل فأكثر، وذكر وكيل الوزارة لشؤون العمل أحمد بن عبدالرحمن المنصور أن الهدف من إنشاء هذه اللجان إيجاد وسيلة حوار بين العامل وصاحب العمل من أجل النهوض بمستوى العمل وتطويره وتذليل العقبات الفنية والمادية التي تحول دون ذلك(8).

ومن الاتفاقيات الدولية التي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1991، لحماية حقوق العمال المهاجرين وأسرهم -لم تنضم إليها دول مجلس التعاون- .

وبالرغم من وجود “لجان عمالية” بلائحة تنظيمية إلا أنها بقيت حبرا على ورق ولم تترجم بنودها على أرض الواقع، حيث لا يزال العمال يعانون من عدة انتهاكات من قطاعات مختلفة يعملون بها لا سيما الخاصة التي تماطل بشكل شبة مستمر بتسليمهم أجورهم التي غالبا ما تكون زهيدة، بالإضافة إلى وضعهم أمام خيار وحيد وهو السفر دون استلام حقوقهم كما حدث مع عمال شركة بن لادن مؤخرا، بعدما سرحت حوالي 45% من العمال بلا أجورهم المتراكمة منذ أشهر لدى الشركة, ولولا التصعيد من قِبل عمال الشركة بالتجمهر أولا ومطالبة الشركة بدفع كامل حقوقهم المادية – والتي فشلوا في إجبار الشركة على الإستجابة لمطلبهم- مما دفعهم كخطوة ثانية تصعيدية للقيام بأعمال شغب ليقوموا بحرق عدد من الباصات الخاصة بالشركة وحرق اطارات السيارات، ليغلقوا الطريق المؤدي للشركة في جدة، فيما تعهدت الشركة بمنحهم حقوقهم ولكن على دفعات بحجة الضائقة المالية التي تعاني منها الشركة منذ العام الماضي، خاصة بعد أوامر العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز بوقف تصنيف مجموعة بن لادن ومنعها من دخول مشاريع جديدة بعد حادث سقوط رافعة بالحرم المكي الذي أودى بحياة 107 أشخاص، في سبتمبر 2015، اضافة إلى  تدني أسعار النفط الذي دفع الحكومة إلى خفض إنفاقها في مسعى لتقليص عجز الموازنة الذي قارب 100 مليار دولار العام الماضي، ويقدر عدد العاملين في المجموعة ما بين 200 -250 ألف عامل ينتظر أن تصرف رواتب 70% من هؤلاء لمغادرة المملكة.

f1

و قد اضطرت السفارة الهندية بجدة من توزيع مساعدات غذائية لأكثر من 10 آلاف هندي يعملون في شركة بن لادن بعد الكارثة الإنسانية التي واجهها مواطنوها بسبب إيقاف مستحقاتهم (9).

f2

فيما صرح وزير العمل السعودي بأن  الحكومة ستقدم مساعدات لعمال شركة سعودي أوجيه العالقين في المملكة (10).

وهذه القضية ليست فردية بل حدث أن تأخرت رواتب عمال شركة “سعودي اوجيه” لتسعة أشهر وعلى عكس عمال شركة بن لادن التزم العمال بالهدوء وطالبوا الشركة بشكل مباشر، وقد يكون السبب هو تواجد دوريات الأمن أمام الشركة لحمايتها من أي ردة فعل قد تحدث من العمال ومنع وصول العمالة للاعتصام أمام الشركة، فيما بلغ عدد القضايا العمالية التي رفعها موظفو وعمالة الشركة 31 ألف دعوى.
وقد أوضح عدد من المهندسين العاملين بشركة “سعودي اوجيه” أن الشركة امتنعت عن دفع الرواتب قبل 9 أشهر مضت، وأدى هذا لتراكم الديون مع عدم استطاعة العمال تأمين لقمة العيش لأسرهم، وأشار أحد الإداريين إلى أن الموظفين بلغ عددهم 58 ألف موظف وعامل، وتصل نسبة السعودة إلى 23%، وقال إن تجاهل حالات تأخير الرواتب من الشركة التي تمتلك أصولا بالمملكة تتجاوز 30 مليار ريال، قد يؤدي إلى كارثة بشعة فهناك بيوت بدون غذاء ومرضى بدون علاج.

كما تلقت سفارة المغرب خطاب تضرر عدد كبير من عمالتها، وأشار الخطاب بتضرر العمالة المغربية وتوقف صرف الرواتب منذ عام 2014 وطالبوا العاهل المغربي بالنظر لوضعهم الإنساني في فيديو بث عبر يوتوب، فيما خاطب السفير الفرنسي بالمملكة مديري الشركة وطالب بالتدخل السريع وحل إشكالية تأخر صرف الرواتب للعمالة الفرنسية، كما تواصلت سفارة مصر بالمملكة مع قيادات الشركة لسرعة حل توقف مستحقات عمالتها، وفي قنصلية بنجلاديش وباكستان يشارك عدد من المنسوبين بجدة في إيجاد حل فوري وسريع مع إدارة الشركة، ونقل عمال ملفات فيديو لتجمع العمالة، وبثها عدد من الفضائيات وسط شجب كبير من المجتمع مما يشوه صورة الإدارة بالشركة (11).

وكانت قد حظرت الفلبين التعامل مع 4 شركات سعودية منها “بن لادن” و”سعودي أوجيه”  بعد أن سرحت هذه الشركات أكثر من 11 ألف عامل من الفلبينيين  وقال مسؤول جمعية (ميغرانتي) للعمال المهاجرين “غاري مارتينيز  “إن بعض الفلبينيين اضطروا للتسول للبقاء على قيد الحياة بعد أشهر بلا راتب بحسب ما نقلت عنه وكالة الأنباء الفرنسية.

وقد تنبأ الكاتب الإقتصادي برجس البرجس بتساقط الشركات إثر الأزمة الاقتصادية التي ستضطر الشركات الكبرى لتسريح موظفيها بهدف تقليص النفقات في مقاله له وبدأت تتساقط الشركات (12) .

ويعد عدم دفع مستحقات العمال الشهرية مخالفة لقانون العمل السعودي الذي ينص في المادة 90 على أن العمال ذوو الأجور الشهرية تصرف أجورهم مرة في الشهر، هذا وبالرغم من وجود “برنامج حماية الأجور” الذي أطلق بشكل رسمي في مرحلته العاشرة فبراير الماضي حيث توعد بإيقاف جميع خدمات المنشآت لدى الوزارة، وسيسمح للعاملين لديها بنقل خدماتهم إلى منشآت أخرى دون موافقة صاحب العمل الحالي، حتى لو لم تنته رخصة العمل الخاصة بالعامل في حال تم تأخير الراتب لثلاث أشهر.

نظام الكفيل “الرق الحديث”

و “حتى تذلل مصاعب العمل حسن علاقتك برب العمل”

نظام ربّ العمل (أو ما يُعرف بالكفيل) يُمكّن لربّ العمل من استغلال العامل الوافد في زيادة ساعات العمل له، وعدم السّماح له بالسفر، وتُقيّد كثيراً من مصالحه التي ترتبط بموافقة ربّ عمله، وهنا إشارة إلى أن الدّولة أو الحكومة  ”المشرّعة للأنظمة“ تتحمّل جزءاً كبيراً من المسؤوليّة في رفع مستوى حقوق العامل الوافد، وإصلاح نظام ربّ العمل أو الكفيل (13).

تعهدت السعودية في 2012 بإلغاء نظام الكفالة خلال شهور (14) لكنها عادت في 2013 لتتراجع عن خطوتها عن التنازل تدريجا عن نظام الكفالة بحجة الفوضى التي قد تعم السوق السعودي (15).

وفي 2016 وضعت رتوشا تجميلية للنظام ليكون أكثر تقبلا وبعد مناشدات حقوقية دولية حيث جعلت ثلاثه شروط لنقل الكفالة دون موافقة الكفيل بعد أن كان النظام السابق يمنع نقل الكفالة دون موافقته.

f3

ولعل من أقرب النماذج التي عانت من جبروت الكفيل وتسلطه الدكتورة المصرية أسماء عبد الفتاح حيث طلب الكفيل أن تعمل في طب الأطفال مما جعلها ترفض لأنها “طب عام” فقام الكفيل بتهديدها وطردها من السكن، ولم تجد قانونا يحميها ولا جهة تحفظ حقها فاستغلت مواقع التواصل الاجتماعي لبث معاناتها وندائها لأمير الشرقية لحل قضيتها (16) فكان لها ما أرادت، فهل يعقل أن كل عامل يتم التعسف ضده أن يلجأ لجهات آخرى لا ينتمي إليها ولا تشعر بمعاناته لتنتصر له وتنتزع له حقه؟ وهناك نماذج أخرى كثيرة وجلها تتركز في التعسف ابتداء بالتحفظ على الأوراق الثبوتية ومرورا بعدم الالتزام بعقد العمل “ساعات العمل,الأجر” وانتهاء باستنزاف العامل ماديا وتهديده في حال لم يتجاوب.

وذكر الدكتور عبد الله العبد اللطيف مستشار وزير العمل والشؤون الاجتماعية إنه توجد 54 ألف قضية عمالية تنظر أمام الهيئات القضائية العمالية مشيرا إلى أن الوزارة تنظر 5200 قضية شهريا، كما أن هيئة تسوية الخلافات تحل نحو 1707 قضايا شهريا، وأن الهيئات العمالية تستقبل 120 قضية في اليوم و ينظر في 15 قضية في اليوم الواحد، وذلك بعد انطلاق المحاكم العمالية مع بداية عام 1437هـ وبعد الفترة التصحيحية التي ضاعفت من وجود نزاعات مالية وأخرى فصل تعسفي وغيرها وكان رد العاهل  السعودي وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز آنذاك لدعوة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان “نافي بيلاي” للسعودية إلى إلغاء “نظام الكفالة” في السعودية “إن إلغاء نظام الكفيل يعود لـ”إجراءات تنظيمية، تهدف إلى عدم إرباك سوق العمل” (17).

ويرى مدير المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا محمد جميل أن دول الخليج ليست جادة في إلغاء نظام الكفالة لكون بعض مراكز القوى – كالأمراء ورجال الأعمال- تقف سدا منيعا في وجه إلغاءه، في بلاد تتفوق فيها العمالة الوافدة على المواطنين من ناحية العدد (18).

وسبق أن طالبت هيئة حقوق الإنسان في عام 2008  في دراسة أعدتها بإلغاء مفهوم الكفالة لفظا وممارسة، لافتة إلى أن أنظمة يتم تطبيقها حالياً تتنافى مع تشريعات العمل والإقامة، ومن ذلك احتجاز الكفيل لجواز سفر المكفول وهو مخالفة صريحة لقرار مجلس الوزراء (19).

التوطين والتخلي عن العمالة الوافدة

وضع وزير العمل الدكتور مفرج الحقباني العمالة الوافدة التي تعمل في قطاعات سيتم توطينها وكانت بدايتها “سوق الإتصالات” أمام خيارين إما بإيجاد فرصة عمل أخرى وتغيير مهنته أو أن يغادر المملكة، مؤكداً اتفاق «العمل» مع الجهات الحكومية لتطبيق أنظمة صارمة لكل من يخالف في هذه الأنشطة التي ستخضع للتوطين (20).

وقد أعلنت كل من وزارة الداخلية ووزارة العمل عن بدء الفترة التصحيحية بتاريخ 2013/4/6، والتي كان الهدف منها “تنظيف السوق” من العمالة المخالفة، وتم اعتماد مهلة تمتد لثلاثة أشهر حتى يتمكن المخالفون من تصحيح أوضاعهم، وبسبب كثرة العدد وقصر المدة، أعلنت وزارة العمل عن تمديد المهلة لثلاثة أشهر إضافية “استجابة لرغبة عدد من السفارات والهيئات الدبلوماسية لعدد من الدول الشقيقة والصديقة” كما ذكرت في بيانها وهو الأمر الذي تسبب في ترحيل أكثر من مليون عامل عام 2013 وحده (21).

وكشف تقرير لمديرية الجوازات السعودية في يوليو من العام الحالي عن أنها رحّلت خلال الثمانية أشهر الماضية نحو 193044 مخالفا لنظام الإقامة والعمل إلى بلادهم، بمعدل 800 مخالف يوميا.

وذهب تقرير “بروجيكت سنديكت” إلى أن ثمة بُعد هامّ من النقاش السياسي في المنطقة يجري التغاضي عنه وهو أنَّ الأجانب في دول الخليج “ليسوا مجرد عمّال، بل مستهلكين أيضًا وبالتالي من خلال تضخيم عدد سكّان البلدان التي يعيشون فيها، يساعد العمّال الأجانب في النمو الاقتصادي (22).

وقد ذكر د.عبد الله المدني إن الطريقة التي تثار بها مشكلة العمالة الوافدة إعلامياً وما يطلق فيها من عبارات مثل : (القنبلة الموقوتة)  (الخطر الداهم على الهوية الوطنية) وما يوجه فيها من اتهامات مثل: (تحويل المليارات من الدولارات سنوياً إلى الخارج) قد تجرنا إلى عواقب خطيرة لعل أهمها أنها تؤسس لنظرة عدوانية ضد الآخر المتجسد في العمالة الوافدة (23).

وبحسب دراسة بعنوان “العمالة الوافدة في دول الخليج: واقعها ومستقبلها” نشرها مركز الجزيرة للدراسات في 6 سبتمبر 2015 أعدها د. جاسم حسين، أن “ديمومة التواجد غير العادي للعمالة الوافدة في دول مجلس التعاون الخليجي يصطدم بظاهرة البطالة في أوساط العمالة المحلية، حيث تعتبر البطالة تحديًا في ثلاث دول خليجية على وجه الخصوص؛ أهمها السعودية” (24)

و تعد السعودية السادسة عالميا في معدل بطالة الشباب بالرغم من المحاولات العشوائية لخلق فرص وظيفة أقل من الطموحات لشريحة كبيرة من الشباب.

cm2xe_7wgaapge7

واللافت هنا أن محاولات السعودة الفاشلة تكمن في فشل القطاع الخاص في خلق الأمان الوظيفي وحماية الموظف من تعسف رب العمل إضافة إلى الأجر الزهيد وغير المنتظم، مما يعني انعكاسا طبيعيا لتخوف الشباب من التوجه للقطاع الخاص كبديل للأجنبي الذي سمع عنه ورأى معاناته أمام ناظريه, ينكل القطاع الخاص بعمالته الأجنبية ويماطلها في حقوقها الإنسانية فكيف له أن يقدم على خيار لا يوفر له أقل ما يتمناه!

__________________________________________

المراجع:

(1) السكان والعمالة الوافدة . د/ أمين علي الكاظم

(2)كل ما تريد معرفته عن التحول الوطني السعودي: هل سنشهد سعودية جديدة في 2020؟ 

(3) “إصلاحات مؤلمة”.. لمن؟ -العربي الجديد

(4)  James Fulcher, Capitalism: A Very Short Introduction

(5) أهم حِراك سعودي في 2011 م: الإضراب 

(6) النقابات في الخليج – مركز الخليج لسياسات التنمية

(7) اللجان العمالية وزارة العمل

(8) http://www.al-jazirah.com/2002/20020417/ln44.htm

(9) http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2016/08/160802_saudi_arabia_india_minister_visit?ocid=socialflow_twitter

(10) http://www.wsj.com/articles/saudi-arabia-offers-help-to-indian-workers-1470250682

(11) صحيفة الوطن 

(12) وبدأت تتساقط الشركات

(13) مركز الخليج لسياسات التنمية

(14) http://www.alarabiya.net/articles/2012/03/31/204335.html

(15) سكاي نيوز

(16) https://www.youtube.com/watch?v=PUsjteSVZKk

(17) الجزيرة

(18) نظام الكفيل.. وجه آخر للعبودية بدول الخليج العربي

(19) الرياض

(20) الحياة

(21) أزمات العمال في الخليج 

(22) كيف يتعيّن على صنَّاع القرار في دول الخليج إدارة القوى العاملة الوافدة في بلدانهم؟

(23) العمالة الوافدة للخليج.. كيف تعامل؟ الشرق الأوسط

(24) http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/09/201596418199269.html

البدون بركان على وشك الإنفجار

عقود من الزمن لم تكن كفيلة لإنهاء معاناتهم بل كانت كفيلة بمضاعفة عمرها، كان جنينا ثم شيئًا فشيئًا بدأ ينمو ويكبر.
وها هو الآن شيخًا هرمًا وعاجزًا مكبلا ومقيدًا ويبحث عن الخلاص، بعد أن مل الوعود ويئس من الحال.
إنها قضية “البدون” والتي بحجم أهميتها لم يبادر أصحاب القرار بدراسة عاجلة وشاملة لقضيتهم وبشكل جاد وحازم لإنهائها.

 

كان من الواضح لي من ردود أفعال بعضهم على سؤالي -“هل تشعرون بأن يوما ما ستصبح الهوية بيدك؟”- إحباط ووجع بالغ.
أحدهم قال متهمكًا: هذا حلم سأستيقظ منه لأجده محض سراب ولن يكون واقعًا أبدا!

قصة البداية

“البدون يا عيسى جينة مشوّهة تتعطل بعض الجينات ولا تصل إلى البناء، أو تتجاوزهم لتظهر في الأجيال اللاحقة من ذريتهم، إلا هذه الجينة الخبيثة، فإنها لا تخطئ أبدا تنتقل من جيل لآخر محطمة آمال حامليها”

هذا ما وصفته شخصية غسان، الرجل الذي ينتمي للبدون في رواية “ساق البامبو” وبهذه الدقة لك أن تشعر بحجم المأساة..

لجان تتلوها لجان عجزت عن تنفيذ أمر سامي صدر عام 1420هـ إستفاد منه نحو 80% منهم بتجنيس ما يطلق عليهم “القبائل النازحة” وهو مسمى يعتبره حقوقيون غير صحيح، كون النازح ينتمي لدولة مجاورة ولديه اثباتات تثبت انتماءه لهم، فيما هم لا يمتلكون أي جنسية من أي دولة، فهم وجدوا أنفسهم في بلد يلفظهم ويرفض أن يمنحهم هوية تثبت مواطنتهم وينالون بها حقوقهم وتؤكد لهم انتمائهم بدلا من ترديد سؤال لا يجدون له اجابة:
من نحن؟ وهل ننتمي لبلد ولدنا على أرضه أم خارجه!
حين لا تبالي أي حكومة بأبعاد المخاطر الأمنية والاجتماعية عليهم، فستظل تعلّق وتأجل وتبرر، ولن تبادر في سرعة معالجة القضية حتى لا تستغل من قِبل أطراف خارجية وتنظيمات متطرفة لتجنيدهم ليصبحوا قنابل جاهزة للانفجار وأحزمة ناسفة قابلة للتمزيق، مثلما حدث في تفجير مسجد الامام الصادق في الكويت حيث كشفت التحقيقات أن مالك السيارة والشخص الذي قاد الإرهابي للمسجد لينفذ جريمته البشعة من فئة “البدون”.

وبعد انتظار طويل لمعاناة ثقيلة عمرها يتجاوز 40 عامًا لم تفي الحكومة بوعودها عبر تصريحات لمسؤوليها بقرب حصرهم تمهيدًا لتجنيسهم.

معاناة تتمدد

في يناير بداية العام الماضي تفاجأ أبناء القبائل النازحة بقرار جوازات حفر الباطن بإصدار بطاقات ممغنطة صالحة لخمس سنوات، مرتبطة بتوقيع تعهد يحرمهم من حق المطالبه بالتجنيس ويقرون فيه بأنهم قبائل نازحة، ويطالبونهم بإحضار اثباتاتهم من الدول التي نزحوا منها، مما جعل ردة فعلهم الاتفاق بعدم الحضور والتجديد.

187920846

 

هذا الرفض فاقم من أوضاعهم الإنسانية حيث أن جُل شؤون حياتهم توقفت، خاصة بعد أن جُمدت البطاقات البنكية مما أدى لكارثة إنسانيه صعبة، فلم يعودوا قادرين على التصرف بأموالهم والاستفادة منها، كما أن الجمعيات الخيرية والضمان الاجتماعي لا تُمكنهم من الانضمام إليها أسوة ببقية المواطنين.
وعجزوا حتى عن سداد الرسوم الدراسية، كونهم غير مسموح هم بالالتحاق بالتعليم في القطاع الحكومي، مما دفع بعضهم إلى تعليم ابنائهم على حسابهم الخاص من دخلهم المتواضع.
وليس هذا فحسب فهم محرومين من العلاج المجاني والعمل في القطاعين الحكومي والخاص ورخصة القيادة وحق التملك والسفر والزواج والطلاق وشهادة ميلاد ولا يمكنهم حتى دفن موتاهم!
وكانت قد صحيفة الحياة قد نشرت تقريرًا ادعوا فيه أن أبناء القبائل النازحة رفضوا التجديد مطالبين ببطاقه أحوال، وهو ما دفع بعض من أبناء القبائل للرد وتبيان التضليل التي تعمدته الصحيفة.

ورغم أن من هذه الفئة ممن خدموا الوطن في السلك العسكري ونالوا شرف الشهادة وآخرون نالوا باستحقاق عدد من الميداليات والأنواط، كمثال لا للحصر:

عبدالسلام مناور العنزي أحد منسوبي الحرس الوطني الذي خدم 34 سنة ولم تشفع له في إن يثبت ولائه وحبه للوطن وأن يحصل على الجنسية .

حراك موؤد

b-300x300

ومن المبدأ القائل

“إذا فرضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرد سيفقد انسانيته شيئا فشيئا” – تشي جيفارا

في 06‏/06‏/2015 اعتصم أبناء القبائل النازحة أمام منفذ قطر في سلوى، بعد أن طرقوا كل الأبواب وسلكوا كل الطرق المتاحة لحل قضيتهم، ولم يتبقى لهم إلا أن يطالبوا بتسهيل هجرتهم لقطر.
وهو نداء أطلقه عدة نشطاء بعد أن اجتمعوا في خيام وسط حرارة الشمس الحارقة وتحدثوا عن معاناتهم بالتفصيل عبرفيديو نشروه باليوتيوب، وبعدها تم اعتقالهم جميعا.
وهم محمد الشمري، عبدالله صالح، أحمد الحريميس، خالد المصلوخي. إلا أن الأخير تم اطلاق سراحه بعد حوالي شهرين من اعتقاله والبقية أطلق سراحهم في ابريل من العام الحالي.

وسبق أن أطلق الحقوقي محمد الشمري رسالة موجهة لوزير الداخلية الأمير محمد بن نايف في تغريدات عبر حسابه مطالبة بتجنيس البدون لا التجديد ومحذره خسارة أبناء القبائل النازحة.

bo-300x223

 

وكما ذكر أ.ثروي مفلح أنه تم التضييق عليهم بالسجن، كما أنه لا يحق لهم توكيل محامي لعدم وجود اثباتات لهم سارية المفعول.

وفي سياق متصل في مارس 2016 لم يجد تركي العتيبي “بدون” حلا كردة فعل على طرده من عمله سوى الإنتحار، وهو أب متزوج ولديه 4 أبناء، هذا الخيار المُر الذي أرغم عليه بعضهم بعد أن عجزوا عن تغيير الواقع الذي يعيشونه فاختاروا الرحيل عنه، واعدادهم في إزدياد مقلق!

be-195x300

 

ردود فعل السلطات الرسمية

فيما شدد المدير العام للجوازات اللواء سليمان اليحيى في مارس الماضي أن ملف القبائل النازحة محل متابعة واهتمام شخصي من قبل وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف، والذي سبق أن صرح والده الأمير نايف بن عبدالعزيز أنهم أبناء الوطن ذهبوا وعادوا وقبله الملك فيصل في سبعينيات القرن الماضي حيث أعترف في برقية نشرت أن أبناء القبائل النازحة قبائل نجدية أصيلة ورغم كل هذه الاعترافات لا زال وضعهم معلقًا طالما أن الأقوال لم تترجم لتحرك فعّال.
وفي  2014/4/13 ذكر رئيس جمعية حقوق الإنسان مفرح القحطاني أن عدد الحالات من “البدون” التي وردت للجمعية تشكل 8 % من القضايا التي ترد الجمعية سنوياً، إلا أن الحالات التي حُلت من موضوعات الجنسية قليلة جداً.
وفي تقرير آخر لجمعية حقوق الإنسان السعودية ذكرت أنها تلقت 2847 شكوى من “بدون” خلال 10 أعوام الماضية وقسمت قضايا البدون إلى ثلاث فئات، تصدّرت قضية المطالبة بالأوراق الثبوتية ملف القضايا الأعلى عدداً في الجمعية بواقع 1356 قضية، تلتها قضايا طلب الجنسية بعدد 1207 قضايا، وأخيراً قضايا استرداد الجنسية بواقع 284 قضية.

وفي عام 2009 أعلنت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة أن أعداد البدون في السعودية 70 ألفاً، فيما أشارت تقارير محلية في نوفمبر 2015 إلى أنهم أكثر من 250 ألف شخص  تدرس وكالة الأحوال المدنية معالجة أوضاعهم، من خلال تقديم تسهيلات جديدة وإعطائهم بطاقات بصلاحيات واسعة، من دون الإشارة إلى بوادر مشجعة حول نيلهم الجنسية.
وأوضح  مدير إدارة الأحوال في المنطقة الشرقية أحمد الدوسري لصحيفة الشرق أنه لا يوجد إحصاءات دقيقة لأعدادهم، وصرح نائب رئيس الجمعية د.خالد الفاخري للعربي الجديد في 16 فبراير 2015 أن الجمعية فتحت ملف البدون بهدف الوصول إلى حلول جذرية لهذه المشكلة وأعترف بصعوبة تحديد العدد الدقيق لمعدومي الجنسية.

على الجانب الآخر تم تصحيح أوضاع 249 ألف برماوي ضمن مشروع تطوير الأحياء العشوائية والذي رفعه أمير مكة -وهو ما وصفهم بالفارين بدينهم- بمنحهم اقامات مجانية لمدة عامين وهو ما يوفر لهم ميزات تشابه ما يتم منحه للمواطن من الحقوق المهنية والصحية والتعليمية وتوثيق ابنائهم.

كما تم تصحيح أوضاع 463.562 يمنياً أي ما يقارب النصف مليون بحسب الجوازات، وسبق أن قدر وزير الخارجية السعودي  أعدادهم بثلاث ملايين مقيم بشكل غير نظامي وهو ما يمنحهم حق العمل ومن ثم التمتع بالحقوق الأخرى الانسانية والذي لا يستطيع البدون أن يحظى بنصفها.

ويبدو أن الابعدون أولى بالمعروف بينما الأقربون لا خيار لهم سوى التأمل والتألم على حال طال ولا يعرفون له نهاية!

نشر في نون عربية

http://thearabnoon.com/2016/06/16/bedoon/#comment-88

مواطنات من الدرجة الثانية

 

إننا نعيش على أرضٍ يحكمها ملك، هذا الملك يقرر لنا ما هو في صالحنا وهو ليس بحاجة للعودة لسؤالنا إذا ما كنا نعارضه، منذ الأزل ونحن نعيش على هذه الأرض بهذه الطريقة مسيرون على طريقه الذي رسمة لنا ولم نملك خيارًا لمخرج طوارئ مثلاً يغير نظام لا نرغبه أو نقر آخر نرغبه.

مخرج نقترحه نحن كشعب، كمطالبين، كمعارضين، ونسلكة لتتحقق رغباتنا، لقد كنا على الدوام نسلك الطرق المتاحة لنا منه لمطالبته بما نريده وهي طرق اعتدناها وألفناها وليست ناجعة دائمًا، فقد يواجهك طريق موصد فلا يصل صوتك أو ربما يتعثر إلى أن يصل.

يسارع الناس دومًا إلى إرسال المناشدات والبرقيات، ينقلون ما يريدونه على ورق، معاناتهم أو حقوقهم أو مساعدة أو أيًا يكن، وقد تجد طريقها مباشرة لسلة المهملات!

يظن الناس هنا أن الملك بحاجة لخطاب ليقرّ نظامًا أو يعرف عن حقيقة ما يحدث من تقصير في بعض القطاعات والفساد المستشري في قطاعات أخرى، لذلك يقرر مراسلة الملك كحل وحيد لا غنى عنه وقد يكون مجبرًا عليه!

هذه الطريق سلكته النساء مؤخرًا ظنًا منهن أن “والدهن الرحيم” مثلما يصفه بعضهن قادرًا على إنصافهن، متناسيات أنه أيضًا هو من ساهم في بقاء القانون التمييزي دون أن يترجم أقواله بأن المرأة نصف المجتمع وشقيقته إلى أفعال، ليبدأ بمساواتها أولاً ويصبح حديثة منطقيًا وليس بهدف دغدغة المشاعر ومحاولة لتحسين صورة نظامه الذي يستمر باستغلال طبقة ما من النساء ويقدمهن للإعلام الغربي كصورة مشرقة عن وضعهن في بلادهن، بينما الحقيقة المناقضة لذلك ما نجدة واقعًا في تفاصيل الحياة اليومية في حياة النساء داخل وطنهن هنّ باختصار مهمشات.

سأحاول هنا ذكر أبرز المطالب النسوية التي شكلت حراكًا نسويًا واعيًا وواعدًا على مدى سنين مضت وفي عدة قضايا تهم المرأة والتي رفعت شعار نريد حقوقنا بينما كانت السلطة تماطل وتتحجج.

من أبرز الحملات التي أظهرت ندية لقانون جائر فرض عليهن، الحملة التي شهدتها السعودية في نوفمبر 1990، فأصدرت وزارة الداخلية السعودية بيانًا تحذيريًا ينص على المنع، لكن في 6 نوفمبر 1990، شاركت 17 سيارة فيها 47 امرأة في الحملة، انتهى المطاف باعتقال النساء ومنعهن من السفر وفصلهن من وظائفهن واعتقال أزواجهن أو آبائهن بتهمة “عجزهم عن السيطرة على نسائهم” وكان ذلك في عهد الملك الراحل فهد.

وكان من السهل إيجاد شماعة لرفض مطالبهن، فقد علقوها على حرب الخليح آنذاك، إضافة لعدم تقبل المجتمع، وقد واكب هذا الموقف الحكومي الصارم وجود فتوى صادرة من ابن باز مفتي المملكة آنذاك، بررت للسلطة اعتقال نسوة مارسن حقهن الطبيعي في الاعتراض على ظلمهن حيث استندت الداخلية في بيانها إليه.

لقد تم التشنيع بالمشاركات وبعائلاتهن وأزواجهن لدرجة أن وصفوهم بالإلحاد والزندقة والشيوعية وغيرها، مما اضطرهن إلى إصدار بيان دافعن فيه عن أنفسهن جاء فيه: “إن خطورة هذا التصعيد من قبل هولاء قد تجاوز الحدث بعد معالجة أمير الرياض له معالجة حكيمة، إلى التطاول على أعراض وسمعة أفراد معروفين بإخلاصهم للدولة، لذا فإن أشد ما يخشاه الغيورون والمخلصون هو أن الحدث قد طوع إلى وسيلة لإحراج الدولة في هذه الظروف”.

العنف ضد المرأة السعودية

من قام باعتقال النسوة وأزواجهن ومنعهن من السفر لعام وفصلهن من وظائفهن يبدو أنه كان عاجزًا عن إيقاف ما حدث من إساءات تكررت دون رادع أو ربما كانت متعمدة ومنظمة لأهداف عديدة منها ردع كل محاولة مشابهة والخشية تصبح مضاعفة من السلطة إضافة إلى بعض الأصوات الحادة في المجتمع ما تسمى “بالصحوة”.

حالة من الصمت والترقب طالت وكانت تأمل إقرارًا بالسماح، لكنه لم يحدث وكان لا بد من إعادة المحاولة بعد 21 عامًا من التوقف وانتظار الوقت الأنسب لتقبل المجتمع تلك الحجة التي لم تعد قابلة للتصديق، حدد يوم آخر كان في أكثر وقت شعر فيه شعوب العالم العربي بنسائم الحرية تلك التي تدفعك للتعبير عما تريدة أو تفعله دون أن تفكر بعواقبة!

حُدد 17 يونيو 2011 تقود فيه النساء سياراتهن لقضاء حوائجهن وسميت الحملة “سأقود سيارتي بنفسي”، قادت منال الشريف وهي من اللاتي شاركن بإطلاق الحملة، ثم تم احتجازها لساعات في اليوم الأول وأعيد اعتقالها في اليوم التالي واتهمت بالإخلال بالأمن واستمر اعتقالها لعشرة أيام وأفرج عنها بكفالة وتعهد خطي.

كررت وزارة الداخلية تحذيرها للنساء من القيادة، وصرح نائب وزير الداخلية الأمير أحمد بن عبد العزيز آل سعود بأن المنع بالنسبة للوزارة لا يزال ساريًا، واستمرت النساء بتحديّ نظام المنع بمحاولة القيادة بشكل عشوائي غير منظم في عدد من المدن وكانت الشرطة توقفهن لساعات ثم تفرج عنهن بعد تعهد.

عامان آخران من الصمت، لم تغيرن ما تأملنّ بتغييره وتطمحنّ لكسره، حيث عدنّ للمحاولة في 2013 بحملة تم تسميتها 26 أكتوبر ودشنت عبر تويتر.

أخذت الداخلية احتياطاتها سريعًا بالاتصال بمن يحاولن القيادة في ذلك اليوم ويحرضنّ غيرهن بذات الفعل، وبذلك تمكنت الداخلية من إفشال محاولتهن قبل أن ينطلقنّ؛ ليقرر بعض نشطاء تويتر إطلاق حملة ساخرة أن تقود المرأة في يوم غير موجود حتى لا يشكك بها، حيث أطلق على الحملة اسم “قيادة 31 نوفمبر”.

وفي 30 نوفمبر 2014 اعتقلت كل من لجين الهذلول وميساء العامودي في حراك جديد لانتزاع حق إنساني وعادل، لمحاولة الأولى عبورها الحدود السعودية قادمة من الإمارات بسيارتها والأخرى للحاق بها والاطمئنان عليها، وهو الموقف الشجاع الذي دفعنّ ثمنة بسجن لأكثر من شهرين، وكادت أن تتحول محاكمتهن للمحكمة الجزائية المتخصصة بقضايا الإرهاب ومحاسبتهن بناءً على قانونه، لولا تراجع السلطة وإطلاق سراحهن بكفالة.

وكان معارضو القيادة على مدى تلك الأعوام يقللون من حجم هذا الحق ويسخرون من المطالبات به لوجود مطالب نسوية أهم في نظرهم لم يلتفتوا إليها، هذا المبرر ساقط، إذ إنه في 10 سبتمبر من عام 2013 رفعت 14 سيدة أعمال وأكاديمية وحقوقية خطابًا مطولاً، إلى عضوات مجلس الشورى مطالبات بمناقشة بعض الأمور التي تعانيها المرأة السعودية وتواجهها في معاملاتها الحياتية، إلا أنه لم يصل رد على هذا الخطاب، ما دفع السيدات إلى إعادة طرحه عبر الإعلام في محاولة للفت اهتمام عضوات المجلس.

وكان من أهم ما جاء في الخطاب إسقاط الولاية وإنهاء التمييز على أساس النوع، بالإضافة إلى هيئة عليا لشؤون المرأة وغيرها من المطالب التي تخصّ المرأة والحقوق البديهة التي لم تحظ بها، إلا أن عضو الشورى ثريا العريض ومساعد رئيس مجلس الشورى الدكتور فهاد الحمد أكدوا أنه لم يصلهم شيئًا!

مثل هذة المبادرات والحراك الشامل للمطالب النسوية لا تلفت نظر البعض بالتالي يتجاهلونها ثم يلومون أصحابها بعدم الالتفات لما هو أهم في نظرهم، رغم أن الأولوية في المطالب الحقوقية نسبية والمطالبة بجميعها دون تفضيل أحدهما عن الآخر لا بديل عنه، كون تنازلنا عن حق مقابل كسب آخر يعكس مدى الأنا داخلنا، فكل ما كان غياب حق ما في حياتنا مؤثرًا ويمسّنا نصبح فعالين بالمطالبة به ودعمه والعكس كذلك، مثلما حدث في قضايا مثل القيادة وإسقاط الولاية، نجد أن معارضيها من النساء بالتحديد غير متأثرات بشكل مباشر بغياب هذة الحقوق بالتالي يصطفينّ ضد المطالبات بها بشراسة.

تجددت المطالبات بطريقة التظاهرات ولكن إلكترونيًا، حيث أطلق مؤخرًا حملة نسوية أجرأ وتمسّ تفاصيل دقيقة في حياة النساء بشكل عام، تطالب الحملة بإسقاط الولاية، القانون الذي وضع ليكون الذكر قيدًا يكبل حرية المرأة البالغة في أبسط أمورها وفي أهمها، حيث تصبح المرأة بحاجة لموافقته قبل أن تفكر في الموافقة على أمر يخصها كالدراسة وإجراء عملية والخروج من التوقيف وغيرها، كذلك يعتبرها النظام قاصرةً مدى الحياة لا تملك من أمرها خيار إلا بموافقة وليها.

ولأن المطلب هام وحساس كان لا بد من تواجد جدل يرافقه كغيره من القضايا التي تخص المرأة، إضافة إلى الخلط بين الولاية والقوامة، رغم أن الولاية في الشرع هي للزواج وفقط، أي أنها مقننة، لكن في النظام الذي تقول الحكومة إنها استدنت بوضعه للشريعة، فإنه يتطلب وجود ولي أمر في أغلب الدوائر الحكومية تحتاجه المرأة لتنهي معاملة ما باسمها!

أما القوامة فهي واضحة جدًا في قولة تعالى “الرجال قوامون على النساء – بما فضل الله -“، كثير من المفسرين فسروها بمعنى “النفقة – الحماية.. إلخ” فإذا سقطت فيعني ذلك سقوط القوامة.

وفي عام 2002 سمح للسعوديات أول مرة باستخراج هوياتهن الشخصية الخاصة، رغم معارضة واسعة من التيار الديني الذي كان اعتراضه على صورة الهوية واقترحوا البصمة بديلاً لها، لكن السلطة لم تعّر اهتمام لمطلبهم ولا لاعتصامهم أمام الديوان الملكي، وجعلتها إلزامية عام 2013 على جميع النساء السعوديات، لكن ما قيمة الهوية وما قيمة استخراجها إذا كانت المرأة تحتاج لولي أمر/ معرفّ، ما قيمتها إذا لم تتمكن المرأة من الاستفادة منها دون الرجوع لذكر من أقاربها، ويقوم بمهمة كان من المفترض أن تقوم بها هي دون مطالبته بالقيام بها، وقد تواجه من قِبلة بالرفض أو المماطلة أو غير ذلك، ما قيمتها إذا لم تكن هويتها كافية لتعريفها تمامًا كالذكر!

وكالعادة سلكت المطالبات طريقهن المعهود على أمل أن يتم التجاوب معهن، حيث أطلقت ناشطات قبل أكثر من شهرين خطابًا موجهًا إلى الملك سلمان للنظر إلى معاناتهن والموافقة على إلغاء نظام ولاية الأمر على النساء، وقعت قرابة 14 ألف امرأة سعودية على العريضة لا تشمل النساء اللاتي أرسلنّ برقيات للملك منفردات، واللافت للمتابع تكاتف بعض الرجال ودعمهم للمطلب بإرسال برقيات موقعة بأسمائهم أيضًا.

ذهبت عزيزة اليوسف يوم 26 سبتمبر لتسليمة للديوان الملكي إلا أن الرد جاء متوقعًا ومعتادًا، حيث علقت عبر حسابها “لم يتم استلام الخطاب وتم التوجيه أن يُرسل من خلال البريد السعودي وبإذن الله سيتم الإرسال”.

حملة “إسقاط الولاية” لا زالت نشطة، حيث يطلق النشطاء كل يوم هاشتاجًا بعدد الأيام التي تم الوصول إليها منذ إطلاق الحملة ولعل اللافت هو الوعي بين المشاركات والإيمان بحقهن والإصرار على انتزاعة.

أما في أغسطس 2013 فقد صدر أول قانون في تاريخ السعودية يجرم العنف الأسري بهدف حمايتها منه، لكن ومنذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا لايزال العنف الأسري يشكل نسبة مقلقة في المجتمع وتظهر لنا شبكات التواصل الاجتماعي الكثير من القصص وخفاياها التي لا تظهر عبر إعلامنا الرسمي، والأغرب من ذلك أن غالبية القصص تلجأ للمجتمع الافتراضي لحمايتها من أحد أفراد الأسرة المتسبب الرئيس لتعنيفها بعد أن خذلها قانون تعسفي يطالبها برجل لتقبل شكواها ومن ثمّ تكون الدولة مسوؤلة عن حمايتها.

المثير للحزن أن المعنف قد يكون هو وليها ويصبح من الصعب التجاوب معها، فتبقى حبيسة لعنف قد يتضاعف، انتقامًا من المعنفة كونها تحدثت وأرادت الخلاص!

وبحسب الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان السعودية تلقت الجمعية 111 قضية عنف كانت ضحيتها نساء في الأشهر الستة الأخيرة من العام الحالي، فيما سجلت في العام الماضي 317 قضية عنف في حق امرأة، واستقبلت المحاكم السعودية 11 ألفًا و130 قضية إعالة وولاية في مختلف مناطق المملكة.

ولذلك يكون مطلب إسقاط الولاية جوهريًا، فوجود هذا النظام يعطل ويكبل المرأة ويضاعف من حجم معاناتها ونجد أن أكثر فئة تتضرر منة هنّ الأرامل والمطلقات والمعنفات اللاتي يضطررنّ إلى تسول واستعطاف أولياء أمورهن، وقد يكن عرضة للابتزاز والاستغلال المادي لتتمكن من أخذ موافقته لمرافقتها وإنهاء معاملتها/ معاناتها.

نشر في نون بوست https://www.noonpost.net/content/14267